“السقي المحوري” في الجزائر.. عقود من التحول التكنولوجي لتأمين الاكتفاء الذاتي

عرف قطاع الفلاحة في الجزائر خلال السنوات العشر الأخيرة تحولاً استراتيجياً متسارعاً نحو تعميم أنظمة الري الحديثة، وفي مقدمتها تقنية “السقي المحوري”. وقد انتقلت هذه التكنولوجيا من مجرد خيار تقني بديل إلى ركيزة أساسية وحجر زاوية في المخططات التنموية للحكومة الجزائرية، الرامية إلى فك الارتباط بالتقلبات المناخية، وتحقيق الأمن الغذائي المستدام في الشُعب الاستراتيجية مثل الحبوب والذرة والبطاطس.

وبدأ هذا المسار التصاعدي بشكل مكثف منذ عام 2016 مع إطلاق برامج حكومية واسعة لتوسيع صيغ الامتياز الفلاحي واستصلاح الأراضي الكبرى. وحملت دفاتر الشروط الموجهة للمستثمرين بنوداً صارمة تفرض إدخال أنظمة الري بالرش والمحاور الكبرى، مما ساهم في قفز المساحات المسقية الإجمالية وطنيا لتتجاوز عتبة 1.2 مليون هكتار آنذاك، مع توجيه الاستثمارات الكبرى نحو الهضاب العليا والولايات السهبية والمحيطات الصحراوية الناشئة.

ولم يتوقف التطور عند استيراد المعدات الضخمة للمساحات الكبرى التي تغطي 50 هكتاراً للمحور الواحد، بل شهد عام 2019 طفرة تكنولوجية واقتصادية فريدة من نوعها من خلال ابتكار وتعميم “المحاور الاصناعية” المصنعة محلياً، وتحديداً في منطقة وادي سوف والجنوب الشرقي. ودخلت آلاف المحاور المصغرة حيز الخدمة بقدرات استيعابية مرنة وتكلفة منخفضة، مما مكن ولايات الجنوب من قيادة الإنتاج الوطني للبطاطس والمحاصيل الحقلية بمساهمة تجاوزت الـ 30%.

وجاء تأسيس ديوان تطوير الزراعة الصناعية بالأراضي الصحراوية (ODAS) عام 2020 ليضع إطاراً قانونياً وتنظيمياً حاسماً؛ حيث أصبحت حيازة المحيطات الاستراتيجية الكبرى في المنيعة، وتيميمون، وأدرار، وتقرت مشروطة بالاعتماد الكلي على السقي المحوري الكبير لزراعة القمح الصلب واللين. ورافق هذا التحول رفع الدولة لنسب دعم اقتناء التجهيزات والمضخات ومعدات الري الحديثة عبر الصندوق الوطني للدعم الفلاحي لتتراوح بين 30% و50% من قيمتها الإجمالية، تشجيعاً للفلاحين على هجر طرق الري التقليدية والغمر.

ومع حلول عام 2026، استقرت المساحة المسقية الإجمالية في البلاد عند حدود 1.5 مليون هكتار، مدعومة بقرابة 40 ألف محور سقي قيد الخدمة الفعلية في مختلف الولايات. وسمحت هذه التقنية برفع مردودية الهكتار الواحد من القمح في الصحراء إلى معدلات قياسية تتراوح بين 60 و80 قنطاراً، مع توفير ما يصل إلى 90% من المياه الجوفية والآبار الارتوازية، لتستمر الجزائر في تنفيذ خطتها الرامية لتجهيز 500 ألف هكتار من الحبوب في الجنوب حصرياً تحت أنظمة الرش المحوري الذكي والمستدام.

المصدر: الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً