من قلب ندرومة إلى كبرى جامعات باريس…ما قصة الصورة التي علقت عليها الوزيرة

في تعليقٍ حمل أبعاداً فكرية وحضارية عميقة، توقفت وزيرة الثقافة والفنون (مليكة بن دودة) عند التفاصيل التاريخية والجمالية لصورة الدكتور محمد بن الحاج بن معمر النقاش، أول طبيب جزائري في التاريخ الحديث، والذي نال شهادة الدكتوراه في الطب من جامعة باريس عام 1880 بأطروحة بارزة حول “قسطرة المريء”.

و قالت بن دودة في منشورها:

“لهذه الصورة مهابةٌ.. لفتني وأنا أتمعن تفاصيلَها، اللباسُ الأصيل لأول طبيب جزائري؛ “عمامةٌ” تكلل الرأس وقاراً، و”صدريةٌ” تضمُّ أزرَارَها كعقد من ضوء، تعلوها “فريملة” مطرزة بروح جزائرية خالصـة، يحزم الوسط “حزامٌ” يمسك “سروال لوبيا” أصيلاً ينسدل بثنياته كغيمة تختزن هويتنا. ويتكئ بيده اليمنى على عصا خشبية “خيزرانة” بينما يضع يده اليسرى على خاصرته.
إنه محمد بن الحاج بن معمر النقاش، ابن ندرومة، أول طبيب جزائري في التاريخ الحديث، نال شهادة الطب من جامعة باريس عام 1880 بأطروحة حول قسطرة المريء. لم يلبس العلمَ على حساب الأصل، وإنما ألبس الأصلَ رداء العلم، فكانت هيئته بياناً خالداً يقول: أصالتي تتوشح المعرفة”.

من هو الدكتور محمد النقاش ؟ قصة أول طبيب جزائري زاوج بين مِسبر الحداثة وعمامة الأصالة

في زمنٍ كان فيه الاحتلال الفرنسي يجهد بكل ما أوتي من ترسانة تشريعية وقمعية لتكريس سياسة التجهيل، واختزال النخب الجزائريّة في خانة “الأهالي” المسلوبي الحقوق والمؤهلات، انبرت قامات وطنية فذة لكسر هذا الطوق الاستعماري بجرأة المعرفة وسلاح العلم.

وفي طليعة هذه النخب، يبرز اسم الدكتور محمد بن الحاج بن معمر النقّاش، كأول جزائري في التاريخ الحديث ينزع اعترافاً أكاديمياً رفيعاً من عاصمة الأنوار، متفوقاً على كل ظروف القهر والتمييز، ومسجلاً اسمه بمداد من نور في السجل الذهبي للذاكرة الوطنية.

لم يكن غريباً على ابن عائلة عريقة في الغرب الجزائري، وهو نجل قائد مدينة ندرومة (التابعة حالياً لولاية تلمسان)، أن يحمل هذا الطموح الجموح؛ فنشأته في هذه الحاضرة التاريخية العريقة، المعروفة بكونها قلعة علمية وثقافية عصية على الذوبان، صقلت وعيه الباكر. لقد حافظت ندرومة عبر العصور على تقاليدها الأرستقراطية الحضرية وثقافتها العربية الإسلامية، ومن هذه التربة الطيبة استمد النقاش شفرته الوراثية التي ترفض الخنوع، متوجهاً في الربع الأخير من القرن التاسع عشر نحو باريس؛ لا لينبهر، بل لينهل من أدق العلوم الكونية والإنسانية آنذاك.

في عام 1880، هزّ الشاب الجزائري أركان المدرجات الطبية في جامعة باريس العريقة، مناقشاً أطروحة دكتوراه رائدة ومتميزة في تخصص جراحي دقيق وحساس بمقاييس ذلك العصر: “قسطرة المريء” (Catheterization of the esophagus). لم يكن نجاحه هذا مجرد تفوق أكاديمي فردي، بل كان برهاناً ساطعاً فكك السردية الكولونيالية التي حاولت وسم الجزائريين بالبدائية، مؤكداً أن العقل الجزائري قادر على ترويض أعقد العلوم الدقيقة متى ما أُتيحت له السُبل.

بعد التخرج والتتويج، لم يغرِ بريق العاصمة الفرنسية الدكتور النقاش، بل آثر العودة فوراً إلى وطنه ليمارس رسالته الإنسانية والوطنية، حيث خاض مواجهة يومية صامتة ومريرة مع مخلفات الاستعمار الصحية والاجتماعية. ولقد شق الدكتور النقاش طريقاً وعراً سارت عليه لاحقاً قامات طبية وطنية بارزة، مثل الدكتور بوزيان عبد القادر والدكتور بن ثامي بلقاسم، ليثبتوا جميعاً أن النخبة الجزائرية قادرة على التميز ميدانياً وعلمياً في أحلك الظروف السياسية.

إن ظهور طبيب متخرج من باريس بهذه الهيئة في قلب القرن التاسع عشر، لم يكن مجرد خيار يومي للملبس، بل كان فعل مقاومة ثقافية صريحة، وراية مقاطعة فكرية بيضاء؛ لقد رفض ذوبان ذاته في ثقافة المحتل، وأرسل بياناً سيادياً مفاده: الحداثة لا تعني الانخلاع من الجذور.

يبقى الدكتور محمد بن معمر النقاش نموذجاً ملهماً للأجيال، وصيحة وعي في تاريخ النخبة الوطنية، إذ طوّع أدوات المعرفة الغربية الحديثة لخدمة بني جلدته دون أن يفقد هويته، فجسد بحق المبدأ التاريخي الراسخ:

“لم يلبس العلم على حساب الأصل، وإنما ألبس الأصل رداء العلم”.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً