في قراءة تحليلية تعكس التحولات العميقة التي تشهدها خارطة التحالفات الدولية، أكد المفكر والمحلل السياسي البلجيكي، ميشيل كولون (Michel Collon)، أن دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، بدأت تتجه بوضوح نحو صياغة سياسات أكثر استقلالية والابتعاد التدريجي عن المظلة الأمريكية التقليدية، مدفوعة ببراغماتية اقتصادية وتغيرات في موازين القوى العسكرية بالمنطقة.
وأوضح كولون، في تصريحات برمجت ضمن سلسلة تحليلاته الجيوسياسية، أن المشهد الدولي الراهن يضع الملكيات الخليجية أمام معضلة إعادة التموضع؛ حيث لم تعد تكتفي بلعب دور “الحليف المطيع” لواشنطن، بل أصبحت تبحث عن تأمين مصالحها الحيوية في عالم متعدد الأقطاب.
وحسب القراءة التي قدمها المحلل البلجيكي، فإن اقتصاديات دول مثل السعودية، الإمارات، وقطر، وإن كانت لا تزال متشابكة بشكل وثيق مع الأسواق الغربية (الأمريكية، البريطانية، والفرنسية) عبر استثمارات ضخمة، إلا أنها تدرك جيداً أن مركز الثقل الاقتصادي العالمي والنمو الحقيقي بات يتركز اليوم في الصين والهند.
وأشار كولون إلى أن الرغبة في التوسع التجاري وبيع الطاقة للمستهلكين الأكبر في العالم تفرض على هذه الدول تنويع شراكاتها وعدم رهن مستقبلها الاقتصادي بالغرب، مما يفسر التقارب الخليجي المتسارع مع قوى المعسكر الشرقي.
على الصعيد الأمني، يرى ميشيل كولون أن مفهوم “الحماية الأمريكية المطلقة” للخليج قد انتهى واقعياً. واستدل على ذلك بظهور مؤشرات واضحة على تراجع وتخبط السياسة الخارجية الأمريكية (سواء في عهد إدارة بايدن أو دونالد ترامب)، وعجز واشنطن عن تقديم شبكة أمان كاملة لحلفائها في مواجهة الأزمات الإقليمية.
وفي المقابل، اعتبر كولون أن طهران نجحت استراتيجياً في إيصال رسالة ميدانية حاسمة لملكيات المنطقة، مفادها أن الاستقواء بالولايات المتحدة لم يعد مجدياً، وأن الأمن الإقليمي يجب أن يُبنى على التفاهمات المباشرة بين دول المنطقة لا على الوعود الأمريكية، واصفاً هذا التحول بأنه “انتصار سياسي” غير معلن لإيران في معركة النفوذ.
واختتم المفكر البلجيكي تحليله بالإشارة إلى أن هذا التمرد الخليجي الصامت والتوجه نحو الشرق لا يمر دون ثمن؛ حيث تواجه هذه الدول ضغوطاً سياسية وتهديدات اقتصادية مباشرة ومبطنة، لاسيما من قِبل دونالد ترامب، الذي يحاول بكل الوسائل منع تفكك المنظومة النفطية والمالية المرتبطة بالدولار، مما يجعل من مسألة استقلالية القرار الخليجي أحد أبرز محاور الصراع الجيوسياسي القادم في المنطقة.
المصدر: (منصة Investig’Action).

