تحلّ اليوم، السادس والعشرون من ماي 2026، الذكرى الثالثة والأربعون بعد المائة (143) لرحيل مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري، الذي وافته المنية في منفاه بدمشق عام 1883. ولم يكن الأمير مجرد قائد عسكري فذّ قاد المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي لسبعة عشر عاماً، بل كان رجل دولة، وفيلسوفاً، ودبلوماسياً، وإنسانياً فاق عصره، لتبقى ذكراه حيةً كرمزٍ عالمي للتعايش وحماية حقوق الإنسان.
منذ مبايعته في نوفمبر 1832 وهو لم يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره، أبهر الأمير عبد القادر العالم بقدراته العسكرية والتنظيمية. استطاع في ظروف بالغة التعقيد توحيد القبائل الجزائرية وبناء جيش منظم، وتأسيس عاصمة متنقلة (الزمالة)، وصكّ العملة، وإنشاء المصانع الحربية. فرغم الترسانة العسكرية الضخمة للاحتلال، أجبر الأمير جنرالات فرنسا على توقيع معاهدات اعتراف، كمعاهدة “دي ميشيل” و”التافنة”، واضعاً الركائز الأولى للدولة الجزائرية السيادية.
في وقتٍ كانت تشهد فيه الحروب أقصى درجات الوحشية، سطّر الأمير عبد القادر صفحات بيضاء في معاملة أسرى الحرب. وضع نظاماً صارماً لحمايتهم، ومنع تعذيبهم، بل وكان يدفع مكافآت مالية لمن يحسن معاملتهم أو يطلق سراحهم. هذا الفكر الإنساني الرفيع جعل كبار المفكرين والمؤرخين يعترفون بأن الأمير وضع القواعد الأساسية لـ”القانون الدولي الإنساني” وقانون جنيف للأسرى قبل صياغتها رسمياً بعقود.
لم تنتهِ رسالة الأمير بانتهاء المقاومة المسلحة وانتقاله إلى المنفى. ففي عام 1860، وأثناء إقامته في دمشق، اندلعت فتنة طائفية كادت تعصف بالمدينة. وهنا تجسّدت عظمة الأمير الإنسانية، حيث فتح قصوره ومقراته لحماية آلاف المسيحيين، مهدداً بملء سيفه كل من يحاول المساس بهم، ومؤكداً أن الإسلام دين رحمة وعدالة.
هذا الموقف النبيل جعل ملوك ورؤساء العالم — من واشنطن إلى باريس وموسكو — يرسلون له أرفع الأوسمة والرسائل الإشادية، وتحولت شخصيته إلى أيقونة عالمية للتسامح وحوار الأديان.
غادر الأمير عبد القادر عالمنا بجسده في دمشق عام 1883، لكن روحه وفكره ظلاّ ملهمين للأجيال. وفي الخامس من يوليو عام 1966، وفي خطوة تاريخية تكرّس سيادة الجزائر المستقلة، نُقل رفاته في موكب مهيب ليُوارى الثرى في “مربع الشهداء” بمقبرة العالية بالعاصمة، بين أبنائه وإخوانه من قادة الثورة التحريرية المظفرة.
اليوم، ونحن نستذكر هذا الرجل الذي غيّر نظرة العالم إلى المقاومة الإنسانية، لا نحيي فقط ذكرى وفاة قائد عسكري، بل نحتفي بإرث حضاري عابر للقارات، يثبت أن الجزائر كانت — ولا تزال — منبعاً للقيم الإنسانية السامية والدفاع عن كرامة الإنسان.

