لماذا اعترضت الجزائر على صفقة استحواذ إماراتية على شركة تحلية مياه إسبانية ؟

أثار الفيتو الحازم الذي فرضته الحكومة الجزائرية على صفقة استحواذ شركة أبوظبي الوطنية للطاقة (طاقة) الإماراتية على شركة “جي إس إينيما” (GS Inima) الإسبانية، المتخصصة في تحلية المياه، تساؤلات واسعة في الأوساط الاقتصادية الدولية حول الخلفيات والأبعاد القانونية والسيادية التي دفعت صاحب القرار في الجزائر لإجهاض هذه الصفقة المليارية التي بلغت قيمتها 2.1 مليار يورو.

و تُعد شركة “جي إس إينيما” (GS Inima)، التي تتخذ من العاصمة الإسبانية مدريد مقراً رئيسياً لها، واحدة من أكبر 5 شركات عالمية في قطاع امتيازات تحلية المياه، حيث تدير عملياتها في أكثر من 10 دول عبر 4 قارات، بقدرة إنتاجية ومعالجة تتجاوز 1.5 مليون متر مكعب من المياه يومياً لتأمين احتياجات أكثر من 12 مليون نسمة حول العالم. وتأسست الشركة تاريخياً في إسبانيا عام 1955 كذراع بيئية لمجموعة “OHL” الإسبانية، قبل أن تستحوذ عليها بالكامل مجموعة “GS E&C” الكورية الجنوبية عام 2012 مقابل نحو 231 مليون يورو، لتتحول اليوم إلى أصل استثماري ضخم قُدّرت قيمته السوقية في صفقة الاستحواذ الأخيرة المجهضة بنحو 2.1 مليار يورو (ما يعادل 2.26 مليار دولار أمريكي).

وفي السوق الجزائرية تحديداً، تمثل الشركة الشريان الأساسي للغرب والوسط الجزائري، حيث تدير محطات تحلية عملاقة تساهم بحصة أسد في المحفظة الدولية للشركة؛ وتتصدرها محطة “المقطع” بوهران التي تُصنف كواحدة من أكبر منشآت التحلية في القارة الإفريقية بسعة تصميمية تبلغ 500 ألف متر مكعب يومياً، تليها محطة “سوق التلاثاء” بتلمسان بسعة 200 ألف متر مكعب يومياً، ومحطة “كاب جنات” ببومرداس بطاقة 100 ألف متر مكعب يومياً. هذا الثقل الإنتاجي الذي يتجاوز 800 ألف متر مكعب يومياً داخل الجزائر، جعل هذه الأصول تُمثل أكثر من ثلث القيمة الاستثمارية الكلية لشركة “جي إس إينيما”، مما يفسر التأثير المالي الفوري للفيتو الجزائري الذي تسبب في تجميد الصفقة المليارية بالكامل.

وتُلخص التقارير المنشورة في العاصمة الإسبانية مدريد، المقر الإداري للشركة، الأسباب الرئيسية لهذا الاعتراض في أربعة أبعاد أساسية تمس الأمن القومي والسيادة القانونية:

تتعامل السلطات الجزائرية مع قطاع مياه الشرب وتحلية مياه البحر كملف سيادي مرتبط بالأمن القومي المطلق، خاصة في ظل التغيرات المناخية الشديدة وموجات الجفاف. وتعتمد البلاد استراتيجية لرفع نسبة التحلية لتأمين احتياجات المواطنين؛ وبالتالي، فإن تسليم مفاتيح هذه المنشآت الحيوية الحساسة لشركات أجنبية خاضعة لتوجيهات حكومات أخرى يُعد خطوة غير مقبولة في أدبيات التخطيط الاستراتيجي الجزائري.

من الناحية القانونية، استندت الجزائر إلى ترسانتها التشريعية وبنود دفاتر الشروط وعقود الامتياز الموقعة مع الشريك الإسباني (عبر الشركة الوطنية للطاقة والمياه AEC). تمنح هذه العقود الحكومة الجزائرية الحق الصارم في نقض أي عملية بيع أو تفعيل “حق الشفعة” السيادي في حال حدوث أي “تغيير في هيكل الملكية أو السيطرة” للشركات الدولية العاملة على أراضيها، ما لم تحصل تلك الشركات على موافقة خطية مسبقة من مجلس الوزراء ووزارة الري.

و تُظهر البيانات المالية لشركة “جي إس إينيما” أن فروعها ومحطاتها في الجزائر (أبرزها محطة “المقطع” العملاقة بوهران ومحطة “سوق التلاتاء” بتلمسان) تمثل الكتلة النقدية الأكثر ربحية والأعلى قيمة في محفظتها الاستثمارية حول العالم. هذا الثقل الاقتصادي جعل الفيتو الجزائري بمثابة ضربة قاضية لمجمل الصفقة؛ إذ إن استبعاد الأصول الجزائرية يفقد الشركة الإسبانية أكثر من ثلث قيمتها السوقية، مما جعل الاتفاق المبرم بين أبوظبي وسول غير ذي جدوى اقتصادي للمشترين.

و لم تغفل القراءات التحليلية في الصحافة الاقتصادية الأبعاد السياسية المباشرة؛ حيث يأتي الرفض الجزائري في سياق برود دبلوماسي صامت  بين الجزائر وأبوظبي حول ملفات إقليمية حساسة في منطقة الساحل الإفريقي (مثل مالي والنيجر) والملف الليبي. وترفض الجزائر منح أي أوراق ضغط استراتيجية أو نفوذ اقتصادي لجهات تخوض معها تجاذبات سياسية، مفضلةً الاحتفاظ بالوضع الراهن أو إجبار المجموعة الكورية الأم (GS Group) على البحث عن شركاء أوروبيين أو دوليين آخرين يحظون بقبول سياسي كامل لدى العاصمة الجزائر.

المصدر: صحيفة “إل إكونوميستا” الاقتصادية الإسبانية (El Economista) + نشرة “إكسبانسيون” المادية (Expansión) — مدريد.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً