شهدت الساحة الدولية في الآونة الأخيرة تحولاً بارزاً في أدوات إدارة الصراع وبناء النفوذ، حيث لم تعد القوة الصلبة العسكرية أو الاقتصادية وحدها كافية لحجز مقعد في قطار الريادة العالمي، بل أصبحت القوة الناعمة هي الرهان الحقيقي لصناعة الأثر وتثبيت السيادة.
وفي هذا السياق، برزت الجزائر خلال عام 2026 كنموذج حي لإعادة إحياء دبلوماسيتها الثقافية برؤية إستراتيجية هجومية ومغايرة، تجلت بوضوح في حضورها المكثف والمؤثر عبر تظاهرات بارزة هذا العام، على غرار صالون باريس الدولي وصالون منظمة اليونسكو بمناسبة يوم إفريقيا.
ولم يكن هذا الزخم وليد الصدفة، بل جاء نتيجة خطة عمل ممنهجة انطلقت وتيرتها التصاعدية منذ عام 2020 لحماية الذاكرة الوطنية والتراث الثقافي من محاولات التهميش أو السطو الممنهج، لتتحول تلك المنصات العالمية إلى ساحات لتأكيد الأصالة والهوية، والامتداد الإفريقي والمتوسطي الثري للجزائر، وهو ما أحدث ارتباكاً وانزعاجاً حقيقياً لدى بعض الدوائر الإقليمية والدولية التي حاولت لسنوات طويلة الاستحواذ على هذا الموروث الحضاري.
إن القراءة العميقة لهذا النجاح الدولي تكشف أنه ليس مجرد استعراض خارجي عابر، بل هو انعكاس وامتداد لديناميكية داخلية جديدة تعيد صياغة المشهد الثقافي الجزائري بالكامل عبر أرقام وإجراءات ملموسة. فخلال السنتين الماضيتين، رفعت وزارة الثقافة والفنون الجزائرية من وتيرة ملفات التصنيف الدولية، لتضاف عناصر جديدة إلى القائمة العالمية لليونسكو التي تضم بالفعل أزيد من 10 عناصر جزائرية مصنفة بين تراث مادي ولامادي، مثل الشدة التلمسانية والسبوع وغيرها.
وقد تُرجم هذا الحضور في المعارض الدولية لعام 2026 من خلال أجنحة حية أبهرت آلاف الزوار، حيث فرض القفطان الجزائري العريق، لاسيما قفطان القاضي الذي يعود تاريخه إلى قرون مضت، نفسه كأيقونة للأناقة والعمق الحضاري، إلى جانب استعراض هندسة الزليج الجزائري الذي يزين المعالم التاريخية الوطنية منذ العهد الزياني والمريني والقرون الوسطى، متصدياً لكل محاولات السطو الفكري والتاريخي. كما شكّل التنوع المبهر للألبسة التقليدية الأخرى، كالبلوزة الوهرانية والجبة القبائلية واللحاف الشاوي والزي التارقي، لوحة فسيفسائية حاسمة أكدت زيف ادعاءات الأطراف التي حاولت احتكار تراث المنطقة.
هذا الحصاد الدبلوماسي الخارجي توازى مع ثورة حقيقية في الداخل اعتمدت على استرجاع المقولة التاريخية الخالدة للشهيد الرمز العربي بن مهيدي قبيل استشهاده في مارس من عام 1957 حين قال إن ارموا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب، وهي العقيدة التحريرية التي هزمت أعتى استعمار استيطاني في القرن العشرين.
واليوم، وفي معركة البناء والوعي وحروب الجيل الخامس، تتبنى المنظومة الثقافية في الجزائر عقيدة موازية مستلهمة من ذلك الإرث المجيد لتقول إن ارموا بالثقافة إلى الشعب سوف يحتضنها. هذا التوجه نحو ديمقراطية الثقافة عبر تنظيم عشرات المهرجانات المحلية والأسابيع الثقافية عبر الـ 58 ولاية، جعل من المواطن خط الدفاع الأول لحماية هويته.
إن سياسة تثمين الموروث الهوياتي الوطني، بدءاً من صناعة الخزف الفني الجزائري “الزليج” وصولاً إلى عراقة الألبسة التقليدية والأكلات المحلية، وإدماج هذا الثلاثي الحضاري في تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع، يُحدث تحولاً جذرياً؛ إذ يتحول المجتمع من مجرد مستهلك للمادة الثقافية إلى حارس أمين عليها، وسفير أصيل يمد الدبلوماسية في الخارج بالشرعية التاريخية والزخم اللازمين. ومن هذا المنطلق، تثبت الجزائر في عام 2026 للعالم أجمع أن قوتها الناعمة ليست مجرد طفرة مؤقتة أو استعراض عابر، بل هي إستراتيجية سيادية متكاملة تربط وعي الداخل بحصانة الخارج، مؤكدة أن الثقافة حين يحتضنها الشعب ويجعلها جزءاً من كينونته، تتحول إلى قوة جبارة وعصية على التهميش أو التجاوز في كبرى المحافل الدولية.

