تراجع المواليد…الجزائر تونس والمغرب في عين التحول السكاني

تمر دول المغرب العربي بمنعطف ديموغرافي غير مسبوق يعيد رسم ملامحها السكانية بشكل كامل، مدفوعاً بتراجع تاريخي وسريع في معدلات المواليد وفقاً لأحدث دراسة صادرة عن المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية في مايو 2026.

هذا التحول البنيوي يمثل قطيعة تامة مع الأنماط الإنجابية السائدة في المنطقة منذ سبعينيات القرن الماضي، حين كان متوسط إنجاب المرأة الواحدة يتراوح بين 7 و8 أطفال، قبل أن ينكلئ هذا المنحنى هبوطاً إلى نحو نصف هذا المستوى مطلع التسعينيات، وصولاً إلى استقرار نموذج الأسرة الصغيرة المكونة من طفلين كمعيار مجتمعي شامل امتد من الحواضر الكبرى إلى أعمق المناطق الريفية.

وتكشف الدراسة الفرنسية المعمقة عن أرقام تاريخية تسجلها الدول الثلاث لأول مرة، مظهرة مسارات مجتمعية متباينة أفضت إلى هذه النتيجة المشتركة؛ فقد سجلت المملكة المغربية أدنى معدل خصوبة في تاريخها الحديث بواقع 1.97 طفل لكل امرأة، مارة بوضوح تحت عتبة التجديد الطبيعي للسكان المحددة عالمياً بنحو 2.1 طفل.

أما الجمهورية التونسية، التي قادت تاريخياً برامج تنظيم الأسرة في المنطقة، فقد انزلقت عميقاً في نطاق الخصوبة المنخفضة جداً مسجلة 1.58 طفل لكل امرأة في عام 2023، مع تراجع مستمر استقر عند 1.53 طفل لكل امرأة. وفي المقابل، أعلنت المؤشرات انتهاء طفرة المواليد المؤقتة التي تميزت بها الجزائر بين عامي 2000 و2017 حين تخطى الإنجاب عتبة 3 أطفال، حيث عاد المنحنى الجزائري ليلتحق بالاتجاه الإقليمي العام متراجعاً بشكل حاد وسريع إلى 2.61 طفل لكل امرأة.

وتعزو الدراسة هذا التغير الكمي الإقليمي إلى تحولات هيكلية واجتماعية وازنة، ارتبطت في الحالة التونسية بصفة أساسية بارتفاع ملحوظ في متوسط سن الزواج لدى النساء ليصل إلى 28.9 سنة، مدفوعاً بإطالة سنوات الدراسة والبحث عن الاستقلال المهني. وعلى النقيض من ذلك، تظهر الأرقام أن التراجع المغربي لم ينتج عن تأخر الزواج، إذ إن متوسط عمر الإناث عند الزواج الأول تراجع من 26.3 سنة في عام 2004 إلى 24.6 سنة، وإنما يعود المحرك الأساسي هناك إلى تبني واسع النطاق لوسائل تنظيم الأسرة الحديثة، حيث بلغت نسبة استخدام وسائل منع الحمل بين المتزوجات 71 بالمئة، مقارنة بنسب تراوح بين 50 و55 بالمئة فقط في الجزائر وتونس.

هذا الانكماش المتزامن في أعداد المواليد أدى آلياً إلى تضييق قاعدة الهرم السكاني وبداية توسع قمته، مما ينذر بتسارع الشيخوخة المجتمعية في المنطقة بوتيرة تضع تونس في الصدارة، حيث قفزت نسبة السكان الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فما فوق من 8 بالمئة فقط عام 1997 إلى 17 بالمئة. وفي المغرب، بلغت نسبة هذه الفئة العمرية المتقدمة 13.8 بالمئة، بينما بقيت وتيرة الشيخوخة أقل حدة نسيباً في الجزائر مستقرة عند 10.5 بالمئة بفضل الطفرة السكانية السابقة، إلا أن المنحنى مرشح للتسارع الميكانيكي الحتمي في الدول الثلاث خلال السنوات القليلة المقبلة، مما يفرض ضغوطاً مالية وصحية بالغة التعقيد على منظومات التقاعد والرعاية الطبية في ظل استمرار استنزاف الطاقات الشابة عبر الهجرة.

المصدرك المعهد الفرنسي للدراسات الديموغرافية (INED)

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً