في سياق تجسيد مشروع “الحوكمة الرقمية الشاملة” في الجزائر، عقب انقضاء الفترة الممتدة من 01 مارس إلى 09 ماي 2026، والتي خُصصت لإجراء الاختبارات الميدانية والتشغيلية الواسعة للنسخة التجريبية من “البوابة الوطنية الموحدة للخدمات الرقمية”.
وتأتي هذه المحطة التقنية لتقييم مدى جاهزية الأنظمة البرمجية، وقياس كفاءة التدفقات الرقمية، واختبار أنظمة الأمان السيبراني قبل الإطلاق الرسمي والتعميم الكلي للمنصة حيز الخدمة في غضون الأشهر القليلة المقبلة.
واستندت هذه المرحلة الاستراتيجية إلى اختيار “مواقع نموذجية” (Sites Pilotes) شملت بلديات، ومحاكم، وجامعات، ووكالات ضمان اجتماعي موزعة عبر عدة ولايات، بُغية قياس فعالية الأداء وجودة الاستجابة في بيئة عمل حقيقية وضمن تدفقات مرورية عالية للبيانات.
تجاوزت هذه الاختبارات المفهوم التقليدي للمواقع الإلكترونية المنفصلة، لترتكز على نظام “الربط البيني” (Interoperabilité) الذي يتيح لقواعد البيانات الوزارية المختلفة تبادل المعلومات والتحقق من الهوية آلياً دون مراجعة المواطن. وجاءت الهندسة القطاعية للاختبارات على النحو التالي:
قطاع الداخلية والجماعات المحلية (عصب الخدمة العمومية):
شهدت الإدارات المحلية النموذجية فحص نظام “الحالة المدنية المتقدمة” والمؤمن عبر الهوية الرقمية الموحدة، إلى جانب تجريب نظام رقمي متكامل لإيداع ودراسة رخص البناء والهدم ومتابعة مراحل تقدمها عن بُعد، فضلاً عن دمج الدفع الإلكتروني عبر “البطاقة الذهبية” والبطاقة البنكية النقدية لطلب وتجديد الوثائق البيومترية كجواز السفر وبطاقة التعريف.
عصرنة المرفق القضائي (وزارة العدل):
تم التفعيل التجريبي لاستخراج الوثائق القضائية الحيوية مثل صحيفة السوابق القضائية (رقم 03) وشهادة الجنسية عبر المنصة الموحدة الحاملة للتوقيع الإلكتروني للقضاة. كما شملت الاختبارات منصة التقاضي الإلكتروني لتسهيل تبادل المذكرات والعرائض بين المحامين والجهات القضائية في المواد المدنية والتجارية.
منظومة الضمان الاجتماعي والتشغيل:
ركزت وكالات الضمان الاجتماعي للعمال الأجراء وغير الأجراء ($CNAS$ و$CASNOS$) على اختبار تقنيات التعرف الذكي لمطابقة البيانات الشخصية والحد من التحايل. وبالموازاة، جرى اختبار منصة الوساطة التابعة للوكالة الوطنية للتشغيل ($ANEM$) القائمة على الذكاء الاصطناعي لتوجيه ومطابقة عروض العمل بالملفات المسجلة آلياً.
التعليم العالي والبحث العلمي:
وضعت الجامعات النموذجية نظام “محفظة الطالب الرقمية” تحت المجهر، وهو نظام موحد يدير عمليات التسجيل الإلكتروني، ودفع الرسوم، وتسيير الإيواء والنقل الجامعي بمرونة كاملة عبر تطبيقات الهاتف المحمول المرتبطة بالبوابة.
و قد خضعت الاختبارات الميدانية ل “البوابة الوطنية الموحدة للخدمات الرقمية”، لمعايير برمجية صارمة أشرفت عليها لجان تقنية مشتركة، وتوزعت على ثلاثة محاور رئيسية:
- زمن الاستجابة (Response\ Time): قياس المدة الزمنية المستغرقة بين نقرة المواطن على الخدمة وظهور النتيجة أو استصدار الوثيقة، لضمان معالجة آلاف الطلبات في نفس الثانية دون تشنج النظام.
- الأمن السيبراني وحماية المعطيات: إخضاع البوابة لاختبارات اختراق بيضاء ($Penetration\ Testing$) بالتعاون مع الهيئات الأمنية المختصة، لضمان التحصين الكامل للبيانات الشخصية والسيادية للمواطنين ضد الهجمات الإلكترونية.
- تجربة المستخدم (UX): قياس مدى سهولة تصفح البوابة من طرف مختلف الفئات العمرية والاجتماعية لضمان شمولية الخدمة وسلاستها.
و تعكف المصالح التقنية والوزارية حالياً على تجميع التقارير المرفوعة من المواقع النموذجية لتصحيح الأخطاء البرمجية ورصد الثغرات اللوجستية، تمهيداً لعرض التقرير النهائي على السلطات العليا. وتمثل هذه البوابة الوطنية الموحدة القاطرة الرئيسية لبناء جزائر رقمية بالكامل، تنهي عصر الأوراق الطوابير، وتضمن الشفافية المطلقة في تسيير الشأن العام وتوزيع الخدمات العمومية.

