كشفت صحيفة “فيلت أم زونتاج” الألمانية، نقلاً عن مصدر رفيع المستوى في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، عن عزم الولايات المتحدة تسريع وتيرة انسحاب قواتها من القواعد العسكرية التاريخية المنتشرة في أوروبا.
وبحسب التقرير، فإن الإدارة الأمريكية تعكف على وضع اللمسات الأخيرة على جدول زمني متسارع لخفض وجودها العسكري، وتعتزم تقديم المقترحات والخطط التفصيلية لهذه الخطوة إلى حلفائها في “الناتو” خلال اجتماع وزراء الدفاع المقرر عقده الشهر المقبل.
وتشير التفاصيل المسربة من البنتاغون إلى أن هذا التحول الهيكلي سيعيد رسم خريطة الوجود العسكري الأمريكي في القارة العجوز، حيث ستتحمل جمهورية ألمانيا الاتحادية العبء الأكبر من هذا القرار؛ نظراً لكونها تحتضن الكتلة الأكبر من الجنود الأمريكيين في أوروبا بواقع ما يقارب أربعة وثلاثين ألفاً وخمسمائة جندي.
وتتضمن الخطة الأمريكية سحب نحو تسعة آلاف وخمسمائة جندي بشكل عاجل، على أن يتم إعادة حوالي ستة آلاف وأربعمائة منهم إلى الأراضي الأمريكية، في حين سيُعاد توزيع الخمسة آلاف وستمائة جندي المتبقين على دول أخرى داخل الحلف مثل إيطاليا وبلجيكا وبولندا لتعزيز الجناح الشرقي، بالتزامن مع دراسة نقل مقر القيادة العسكرية الأمريكية في أوروبا (EUCOM) من مدينة شتوتغارت الألمانية إلى بلجيكا.
ويرى مراقبون أن الدوافع وراء هذا القرار المفاجئ تتأرجح بين الضغوط السياسية والاقتصادية؛ إذ تعبر واشنطن بشكل مستمر عن إحباطها من عدم التزام الحلفاء الأوروبيين، وفي مقدمتهم ألمانيا، بنسبة الإنفاق الدفاعي المقررة داخل الناتو والمحددة باثنين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، معتبرة أنه لم يعد مقيولاً أن يتحمل دافع الضرائب الأمريكي كلفة حماية دول غنية لا تفي بالتزاماتها المالية العسكرية. ويضاف إلى ذلك، الرغبة الإستراتيجية لدى البنتاغون في نقل الثقل العسكري نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة النفوذ الصيني المتصاعد، مفسحة المجال للدول الأوروبية لتحمل مسؤولية أمنها الإقليمي.
وقد استقبلت العواصم الأوروبية هذه الأنباء بمزيج من الصدمة والقلق، حيث أعربت الأوساط السياسية والاقتصادية في برلين عن تخوفها من التداعيات الأمنية للانسحاب، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية التي ستلحق بالبلدات الألمانية المحيطة بالقواعد والتي تعتمد بشكل مباشر على الإنفاق الأمريكي والوظائف المحلية. وفي المقابل، أحدث القرار انقساماً في المواقف داخل الحلف، فبينما اعتبرت أطراف أوروبية أن الخطوة تضعف التماسك الإستراتيجي للناتو، أبدت دول شرقية مثل بولندا ترحيباً مبدئياً، معلنة استعدادها لتمويل استضافة الجنود المغادرين لألمانيا فوق أراضيها، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تموضع القوى في القارة الأوروبية.

