يخوض سوق الطاقة العالمي سباقاً محموعاً لتأمين إمدادات اليورانيوم، المعدن الإستراتيجي الذي يمثل عصب الصناعات النووية في العالم، بالتزامن مع توجه القوى الكبرى نحو التوسع في مشروعات الطاقة النظيفة وتأمين بدائل مستدامة للوقود الأحفوري.
وتشير أحدث البيانات الإحصائية الصادرة عن الرابطة النووية العالمية إلى أن إمدادات الذهب الأسود الجديد تتركز في خريطة جغرافية محدودة، حيث تهيمن ثلاث دول فقط على أكثر من ثلثي الإنتاج العالمي، مما يمنحها نفوذاً جيوسياسياً هائلاً في معادلة الطاقة الدولية.
تواصل جمهورية كازاخستان إحكام قبضتها على صدارة المنتجين عالمياً، مستحوذة بمفردها على نحو 43% من إجمالي الإمدادات الدولية؛ وهو المركز الذي تحافظ عليه باستقرار منذ عام 2009. وتعتمد كازاخستان، عبر شركتها الوطنية العملاقة “كازاتومبروم”، على تقنيات “الاستخلاص في الموقع” (ISR)، وهي آلية متطورة تتيح استخراج المعدن بتكلفة مالية منخفضة وأقل ضرراً بالبيئة مقارنة بالتعدين التقليدي، مما يمنحها ميزة تنافسية كبرى في الأسواق العالمية.
وفي المرتبة الثانية، تأتي كندا بحصة إنتاجية تناهز 15%، مستندة إلى امتلاكها أعلى درجات اليورانيوم جودة ونقاء في العالم، وتحديداً في حوض “أثاباسكا” بمقاطعة ساسكاتشوان، حيث تقود شركة “كاميكو” الكندية عمليات الاستخراج والتسويق التجاري على نطاق دولي واسع.
وتبرز جمهورية ناميبيا في المرتبة الثالثة عالمياً والأولى أفريقياً بنسبة مساهمة تصل إلى 11%، مدفوعة بإنتاج مناجم عملاقة مثل “هوساب” و”روسينغ”، والتي تشهد حضوراً استثمارياً صينياً لافتاً من خلال الاستحواذ على حصص تشغيلية لتأمين احتياجات بكين المتزايدة.
وعلى الرغم من حلول أستراليا في المرتبة الرابعة بحجم إنتاج واقعي يترواح بين 8% و9%، إلا أنها تتربع على صدارة دول العالم من حيث حجم “الاحتياطي المؤكد” تحت الأرض، إذ تمتلك وحدها قرابة ثلث المخزون العالمي، ويتركز ثقلها الإنتاجي في منجم “أولمبيك دام”. وتليها أوزبكستان في المرتبة الخامسة بنحو 7%، موجهة كامل إنتاجها للتصدير نحو الأسواق الآسيوية والأمريكية.
وفي سياق المتغيرات الجيوسياسية، تحل روسيا في المرتبة السادسة بحصة إنتاجية مباشرة تبلغ 5%، بيد أن ثقلها الحقيقي يتجاوز عمليات التعدين إلى السيطرة على سلاسل الإمداد؛ حيث تمتلك موسكو القدرات الأكثر تقدماً في عمليات “تخصيب اليورانيوم” وتصنيع الوقود النووي للمفاعلات حول العالم.
وتأتي النيجر سابعة بنسبة 4%، ممثلة مورداً تاريخياً وإستراتيجياً للمحطات الأوروبية والفرنسية على وجه الخصوص، تليها الصين بنسبة 3.5% والتي تسابق الزمن لرفع إنتاجها المحلي وشراء مناجم خارجية لتغذية برنامجها الطموح في بناء المفاعلات النووية الجديدة، في حين تسجل الهند 1.5% لتلبية المتطلبات المحلية فقط.
وفي مفارقة لافتة، تختتم الولايات المتحدة القائمة بحصة تقل عن 1% من الإنتاج العالمي، على الرغم من كونها تضم أضخم شبكة مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء في العالم، مما يضعها تحت مقصلة الاعتماد شبه الكلي على استيراد الخام من كازاخستان، وكندا، وروسيا، ويدفع واشنطن لتبني خطط عاجلة لإحياء قطاع التعدين المحلي وتأمين سلاسل توريد بعيدة عن النفوذ الروسي.

