بينما تنهمك الدوائر الرسمية في ترتيب الجوانب اللوجستية لتظاهرة “ثقافتي 7/7” المزمع انطلاقها مطلع جوان 2026، تلوح في الأفق زاوية أعمق بكثير من مجرد تنظيم فعاليات للاحتفال باليوم العالمي للطفولة. إنها محاولة عملية لتقديم “ديتوكس رقمي” (Digital Detox) جماعي، وانتشال جيل “تيك توك” واليوتيوب من قوقعة العزلة الافتراضية التي فرضتها الخوارزميات، وإعادتهم إلى دفء التفاعل الإنساني الحي.
السؤال السوسيولوجي والنفسي المطروح اليوم: هل يمكن لسبعة أيام من الفن، والمسرح، والمتاحف المفتوحة مجاناً أن تكسر إدمان الشاشات الزرقاء، وتعيد صياغة الذكاء العاطفي والروابط الاجتماعية للطفل الجزائري؟
يعيش طفل اليوم حالة من “الاستهلاك السلبي” المطلق؛ فهو يجلس لساعات أمام شاشة لمسية مسطحة، تتحرك عيناه بسرعة مع تتابع المقاطع القصيرة، دون أن يبذل أي مجهود حركي أو ذهني حقيقي، مما يتسبب – وفقاً لخبراء علم النفس التربوي – في تراجع مهارات التواصل، وضعف التركيز، وظهور بوادر “عزلة اجتماعية تشبه التوحد الافتراضي”.
تأتي مبادرة “ثقافتي 7/7” لتحدث صدمة إيجابية في سلوك الطفل عبر نقله من مقعد “المشاهد المنعزل” إلى منصة “الصانع المتفاعل”. عندما يدخل الطفل إلى الورشات الحية في محور “إبداعي”، هو لا يضغط على زر لإعجاب بصورة، بل يلمس ريشة حقيقية، ويمزج الألوان بأصابعه، ويشتم رائحة الورق. هذا الانتقال من الافتراضي البارد إلى المادي الملموس يحفز الحواس الخمس، ويعيد تنشيط الخلايا العصبية المسؤولة عن الابتكار والتفكير المستقل.
إن وقوف الطفل على خشبة المسرح في محور “فرجتي” أو جلوسه وجهاً لوجه مع الحكواتي في مغامرة “كان يا مكان” داخل عربات الترامواي، يمثل علاجاً نفسياً عالي الفعالية؛ فالمسرح يعلم الطفل كيف يعبر عن مشاعره بنبرة صوته وحركات جسده، ويجبره على النظر في أعين الآخرين، وهو ما تفتقده تماماً محادثات “الإيموجي” والرسائل النصية.
الروابط الاجتماعية البديلة: داخل مقصورة الترامواي أو في أروقة المكتبة الوطنية، لا يواجه الطفل خوارزمية صامتة، بل يواجه أطفالاً من أقرانه. يضحكون معاً على دعابة الحكواتي، ويتحاورون حول نهاية القصة، ويتنافسون في “تحدي الأبطال”. هذا الاحتكاك الميداني هو المختبر الحقيقي الذي يتعلم فيه الطفل قيم المشاركة، والتعاطف، والإنصات، وهي الركائز الأساسية لبناء “الذكاء العاطفي” الذي سحقته العزلة الرقمية.
لا يمكننا عزل أطفالنا عن التكنولوجيا بشكل كامل، فالرقمية جزء من عصرهم، لكن تظاهرة مثل “ثقافتي 7/7” تضع يدها على الجرح لتعيد “التوازن المفقود”. إنها تثبت للطفل (وللأولياء أيضاً) أن الخيال الموجود في المتاحف الوطنية، والضريح الملكي بتيبازة، وكواليس المسارح، أكثر تشويقاً وحيوية من عالم “الأنيميشن” الافتراضي.
الرهان الحقيقي لهذه الأيام السبعة في صيف 2026 لا يقاس بعدد التذاكر المجانية الموزعة، بل بعدد الأطفال الذين سيغادرون المتاحف والمسارح وهم يمسكون بكتيباتهم وألوانهم، تاركين هواتفهم الذكية نائمة في جيوب أوليائهم، بعد أن تذوقوا لأول مرة حلاوة أن يكونوا هم أبطال الحكاية، لا مجرد مشاهدين لها من خلف زجاج الشاشة.

