مع انطلاق امتحانات شهادة البكالوريا لدورة جوان 2026، تتوجه الأنظار مجدداً نحو المنظومة التربوية الجزائرية التي تشهد هذا العام تدفق مئات الآلاف من المترشحين عبر كامل التراب الوطني. ولا يمثل هذا الرقم الضخم مجرد إحصاء سنوي عابر، بل هو نتاج مسار تاريخي تصاعدي طويل يعكس التحولات الديمغرافية والاجتماعية والسياسية التي مرت بها الجزائر منذ استرجاع السيادة الوطنية عام 1962 إلى غاية اليوم.
غداة استقلال البلاد سنة 1962، ورثت الجزائر منظومة تعليمية فرنسية هشة تميزت بنسبة أمية خانقة بلغت قرابة 85% بين الجزائريين، وفي تلك الفترة كانت شهادة البكالوريا نخبوية إلى أقصى حد، حيث لم يتعدَّ عدد المترشحين في دورة عام 1963 بضعة آلاف فقط، كان أغلبهم من أبناء المعمرين المغادرين وقصر من الجزائريين الذين أتيحت لهم فرصة ومقاعد الدراسة الثانوية.
مع تبني الدولة الفتية مبدأ “ديمقراطية التعليم” وإلزامية ومجانية التعليم للجميع، وبفضل إقرار نظام المدرسة الأساسية وحملات التعريب وجزأرة المناهج، بدأت الأعداد ترتفع تدريجياً خلال السبعينيات لتتجاوز عتبة الـ 50 ألف مترشح، مع بقاء الشهادة صعبة المنال وبنسب نجاح محدودة لندرة الهياكل الثانوية في تلك الحقبة التأسيسية.
شهدت فترتا الثمانينيات والتسعينيات تدفق “الجيل الأول” من أبناء الاستقلال نحو الطور الثانوي، وهو ما أحدث طفرة كمية هائلة قفزت بأعداد المترشحين لتتجاوز حاجز الـ 100 ألف ثم الـ 200 ألف مترشح، وعلى الرغم من الظروف الأمنية الصعبة التي عاشتها البلاد خلال فترة التسعينيات، استمرت المدرسة الجزائرية في أداء رسالتها وحافظت الأعداد على منحاها التصاعدي.
مع مطلع القرن الحادي والعشرين وإطلاق إصلاحات المنظومة التربوية سنة 2003، دخلت البكالوريا الجزائرية عصر “المليونية” والرقمنة والتنويع، وسجلت دورة عام 2008 ذروة تاريخية استثنائية عُرفت بدورة الدفعتين نتيجة التقاء النظامين القديم والجديد، حيث تضاعف العدد بشكل غير مسبوق وتجاوز عتبة الـ 700 ألف مترشح دفعة واحدة في مشهد تاريخي غير مسبوق.
طيلة العقد الماضي، استقر عدد المترشحين السنوي بين 650 ألفاً إلى غاية 750 ألف مترشح، مدعوماً بارتفاع لافت في نسبة تمدرس الإناث وتفوقهن الكمي والنوعي، وتأتي دورة جوان 2026 لتتوج هذا المسار الطويل؛ حيث يقترب إجمالي المترشحين من حاجز 800 ألف مترشح في بيئة رقمية بالكامل ومن دون ورق، مع تسجيل ارتفاع محسوس في شعب العلوم والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
المصدر: الديوان الوطني للامتحانات والمسابقات (ONEC) / أرشيف وزارة التربية الوطنية الجزائرية.

