ما الذي حدث خلف كواليس زيارة سعيود لباريس؟

تطرق تقرير لموقع “ألجيري باتريوتيك” إلى الخلفيات الحقيقية لزيارة وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، السيد سعيد سعيود، إلى العاصمة الفرنسية باريس، مفككاً موجة الحماس المفرط والتحليلات المتسرعة التي طبعت تناول جزء واسع من الصحافة الفرنسية لهذا الحدث.
وجاء في قراءة الموقع أن بعض الدوائر الإعلامية والسياسية في فرنسا سارعت إلى تصوير هذه الزيارة بوصفها “مؤشراً حاسماً” على انفراجة وشيكة وإنهاء لحالة الجمود الدبلوماسي التي ميزت العلاقات الثنائية طيلة الأشهر الماضية بسبب التوترات السياسية المتراكمة. غير أن الواقع الميداني – بحسب التقرير – يبدو أكثر تعقيداً وبعيداً كل البعد عن هذا التفاؤل الاستعراضي.

وأشار التقرير إلى أنه على الرغم من أن استئناف قنوات الاتصال والزيارات المتبادلة يمثل خطوة إيجابية من الناحية البروتوكولية، إلا أنه لا يمكن اعتباره دليلاً على “عودة العلاقات إلى مجراها الطبيعي”. فالعلاقات الجزائرية-الفرنسية لا تزال مثقلة بملفات خلافية شائكة وجوهرية تحول دون تحقيق أي تقارب حقيقي قبل معالجتها بجدية، وفي مقدمتها:

  • ملف الذاكرة التاريخية: الذي يمثل حجر الأساس في الرؤية الجزائرية، ويرفض تقديم أي تنازلات تمس بسيادة الذاكرة الوطنية.
  • التعاون القضائي وغياب التجاوب الفرنسي: لا سيما في ملفات استرداد الأموال المنهوبة المهربة إلى الخارج، وملاحقة المطلوبين للعدالة، وهو الملف الذي تعتبره الجزائر معياراً لجدية الشراكة.
  • الملفات الأمنية والهجرة: والتحديات الجيوسياسية في منطقة الساحل الإفريقي، حيث تتباين الرؤى والمقاربات بشكل جذري بين البلدين.

واعتبر “ألجيري باتريوتيك” أن الإصرار على تقديم الزيارة كدليل على تقارب متسارع ليس سوى “سردية إعلامية موجهة” تصنعها باريس لأهداف تتصل بالاستهلاك السياسي الداخلي. فالحكومة الفرنسية الحالية تواجه أزمات داخلية خانقة ومتعددة، تتراوح بين المصاعب الاقتصادية، شبح التضخم، القلق الاجتماعي المتزايد، أزمات الطاقة، والنفور الشعبي من النخب السياسية، ناهيك عن فضائح الفساد التي تلاحق بعض المؤسسات.

وفي ظل الصعود القوي لتيارات اليمين المتطرف وضغوطها المستمرة في المشهد السياسي الفرنسي، تحاول السلطات الفرنسية بشتى الطرق اقتناص أي “نجاح دبلوماسي خارجي” – حتى وإن كان صورياً – وتضخيمه إعلامياً لتحسين صورتها السياسية أمام الرأي العام المحلي والتغطية على الإخفاقات الداخلية.

وفي مقابل هذا الضجيج الإعلامي في باريس، أبرز التقرير رصانة وحذر المقاربة الدبلوماسية الجزائرية؛ حيث تبتعد الجزائر، وفاءً لتقاليدها الدبلوماسية العريقة، عن لغة الاستعراض و”البروتوكولات الجوفاء”، وتتعامل مع هذه اللقاءات بهدوء تام وبدون أي تسرع.

وترى الجزائر أن التصريحات الدبلوماسية المرنة ونوايا الانفراج التي تبديها باريس تظل بلا قيمة ما لم تُترجم على أرض الواقع إلى إجراءات ملموسة وأفعال حقيقية تحترم السيادة الكاملة للدولة الجزائرية. وينطلق هذا التحفظ الجزائري من ريبة مشروعة تجاه الخلفيات والمناورات الفرنسية، خصوصاً في ظل عجز الطبقة السياسية في باريس عن التحرر الفعلي من “عقدها الاستعمارية” ورواسبها الفكرية تجاه الجزائر.

خلُص تقرير الموقع إلى أن زيارة سعيد سعيود لباريس لا تعدو كونها “محطة تقنية” عادية ضمن سيرورة نقاشات مستمرة، وليست “الوثيقة التأسيسية لعهد جديد” كما يروج له الإعلام الفرنسي. فبناء علاقات متينة ودائمة بين الجزائر وفرنسا سيبقى معلقاً ومؤجلاً حتى تملك باريس الشجاعة السياسية الكافية للتعامل مع القضايا المبدئية والملفات الهيكلية بكل صراحة، مسؤولية، وندية.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً