لم يكن النفط في الجزائر يوماً مجرد سلعة تجارية عابرة، بل كان ولا يزال عصب التنمية الاقتصادية، والورقة الاستراتيجية الصانعة للقرار السياسي والدبلوماسي منذ فجر الاستقلال. على مدار أكثر من ستة عقود، قطع حجم إنتاج النفط الجزائري رحلة تاريخية حافلة بالتحولات الهيكلية، متنقلاً من حقول كانت تدار بالكامل بعقليات وبأيدي الشركات الاستعمارية، إلى بسط السيادة الوطنية الكاملة، وصولاً إلى لعب دور “الوزن المرجعي” داخل منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وتحالف “أوبك+”.
بين أرقام البراميل المرتفعة تارة والمنخفضة تارة أخرى، يتجلى مسار أمة نجحت في تحويل الثروة الباطنية إلى ركيزة لبناء الدولة الحديثة. فكيف تطور هذا العملاق الإنتاجي من عام 1962 إلى يومنا هذا؟
1. ما بعد الاستقلال (1962–1970): إرث ثقيل وسيادة منقوصة
عقب استعادة السيادة الوطنية عام 1962، وجدت الجزائر الفتية نفسها أمام قطاع نفطي حيوي لكنه مُدار كلياً بموجب ترتيبات “اتفاقيات إيفيان” التي منحت الشركات الفرنسية امتيازات تفضيلية واسعة في حقول الصحراء الكبرى (خاصة حاسي مسعود وعين أمناس).
في تلك الفترة، ورغم تأسيس الشركة الوطنية “سوناطراك” عام 1963 كخطوة أولى لإثبات الوجود، استمرت الهيمنة الأجنبية على مستويات الإنتاج. ومع منتصف الستينيات (تحديداً عام 1965)، استقر معدل إنتاج الجزائر عند حدود 570 ألف برميل يومياً. ومع توالي الاستكشافات وتطوير البنية التحتية الأساسية لنقل الأنابيب، أخذ المنحنى البياني للإنتاج في التصاعد التدريجي ليتجاوز عتبة 900 ألف برميل يومياً مع نهاية عقد الستينيات، وسط شعور وطني متزايد بأن العائد الحقيقي لهذه الثروة لا يذهب إلى أصحابه الشرعيين.
2. منعرج 24 فبراير 1971: ثورة التأميم وبلوغ عتبة المليون
في الرابع والعشرين من فبراير عام 1971، صدح صوت الرئيس الراحل هواري بومدين بجملته الشهيرة “لقد قررنا تأميم المحروقات”، لتعلن الجزائر بسط سيادتها بنسبة 51% على أسهم الشركات الفرنسية، وتؤول إدارة الحقول والمقاطع النفطية بالكامل لشركة “سوناطراك”.
هذا المنعرج التاريخي لم يكن سياسياً فحسب، بل أحدث قفزة نوعية في الأداء العملياتي. فخلال فترة السبعينيات، دخل الإنتاج النفطي الجزائري مرحلة الاستقرار والنمو القوي؛ بفضل السيطرة الوطنية وضخ استثمارات لرفع كفاءة الآبار. طوال هذا العقد، استقر حجم الإنتاج فوق حاجز المليون، متأرجحاً بين 1.000.000 و1.150.000 برميل يومياً، مستفيداً من الطفرة السعرية الأولى التي أعقبت حظر النفط العربي عام 1973، مما سمح بتمويل خطط التصنيع الثقيل وبناء القواعد الصناعية للبلاد.
3. صدمة الثمانينيات وعصر الغاز (1980–1989)
لم تدم طفرة السبعينيات طويلاً؛ إذ واجهت الأسواق العالمية في ثمانينيات القرن الماضي ركوداً اقتصادياً حاداً، نتج عنه ما عُرف تاريخياً بـ”الصدمة النفطية المعاكسة” عام 1986، حيث تهاوت الأسعار وتضخم المعروض العالمي.
أمام هذا الوضع، وتحت مظلة الالتزام بحصص “أوبك” لامتصاص الفائض، خفضت الجزائر إنتاجها بشكل ملحوظ. وتراجع حجم الإنتاج في بعض سنوات هذا العقد (خاصة عامي 1981 و1987) إلى مستويات تراوحت بين 700 ألف و800 ألف برميل يومياً. هذا التراجع النفطي دفع صانع القرار الاقتصادي في الجزائر إلى استراتيجية بديلة تمثلت في تحويل التركيز الاستثماري نحو الغاز الطبيعي (المسال والجاف)، وهو قطاع بدأت ثمراته تظهر بقوة لتعوض النقص المادي الناجم عن تراجع البراميل النفطية.
4. طفرة حوض بركين والذروة التاريخية (1990–2010)
مع مطلع التسعينيات، تبنت الجزائر قانوناً جديداً للمحروقات يتيح صيغاً مرنة للشراكة الدولية (عقود تقاسم الإنتاج)، مما جذب كبرى الشركات العالمية (مثل بريتيش بتروليوم، وتوتال، وأناداركو) لضخ تكنولوجيات استخراج حديثة.
هذا الانفتاح أثمر عن اكتشافات ضخمة، لاسيما في “حوض بركين” جنوب شرق البلاد. ومع بداية الألفية الجديدة، عاد الإنتاج ليتخطى حاجز المليون برميل يومياً بسرعة الصاروخ، وصولاً إلى المحطة الأبرز في تاريخ النفط الجزائري:
الذروة التاريخية لعام 2008: سجلت الجزائر أعلى معدل إنتاج للنفط الخام في تاريخها، حيث بلغ حجم الإنتاج قرابة 1.410.000 برميل يومياً. وإذا أضيفت إليه السوائل النفطية الأخرى والمكثفات (Condensates) التي لا تخضع لقيود أوبك، فإن إجمالي الإنتاج تجاوز حينها عتبة 1.9 مليون برميل يومياً، مستفيداً من وصول أسعار النفط إلى قمتها التاريخية فوق 147 دولاراً للبرميل.
5. الاستقرار والمسؤولية في عصر “أوبك+” (2011–2026)
عقب الطفرة الكبرى، دخلت الحقول النفطية الجزائرية العملاقة (وفي مقدمتها حقل حاسي مسعود) مرحلة النضج الطبيعي، وهي مرحلة جيولوجية تتطلب استثمارات مستمرة في تقنيات “الاسترجاع المعزز للنفط” (EOR) للحفاظ على مستويات الضغط في الآبار.
بالتوازي مع ذلك، برزت الجزائر كلاعب دبلوماسي طاقوي بامتياز، تجلى في احتضانها لـ”اتفاق الجزائر التاريخي” عام 2016، والذي وضع الحجر الأساس لتأسيس تحالف “أوبك+” بين الدول الأعضاء في أوبك والمنتجين المستقلين (وعلى رأسهم روسيا).
واليوم، يخضع حجم إنتاج الجزائر لموازنة دقيقة تجمع بين الحفاظ على القدرات الفنية للحقول، تلبية الاستهلاك الداخلي المتنامي، والالتزام الصارم بالحصص المقررة والتخفيضات الطوعية للتحالف لضمان استقرار السوق. وخلال الربع الأول من العام الجاري (2026)، يستقر إنتاج الجزائر من النفط الخام عند معدلات تتراوح بين 975 ألف و982 ألف برميل يومياً.
المصدر: الصحفي

