: كيف أفرغت حرب إيران خزانات أمريكا التاريخية ؟

أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن الحكومة الأمريكية تفاقماً حاداً في أزمة الطاقة الداخلية؛ إذ دفعت الحرب التي تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب ضد إيران بمخزونات النفط في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ أكثر من عقدين. وتكشف المؤشرات عن استنزاف متسارع للاحتياطيات التجارية والإستراتيجية لكبح جماح الأسعار محلياً، في وقت يسارع فيه المصدرون الأمريكيون للاستفادة من غياب إمدادات الشرق الأوسط جراء شلل الملاحة في مضيق هرمز.

وحسب الأرقام الصادرة عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)، والتي استندت إليها صحيفة “فايننشال تايمز”، فقد تراجع إجمالي مخزونات النفط الخام والمشتقات البترولية (مثل البنزين) بمقدار 10.6 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي ليستقر عند 1.57 مليار برميل، وهو المستوى الأدنى الذي تسجله البلاد منذ عام 2004. هذا الهبوط الحاد محا تماماً الفائض المتراكم الذي حققته الولايات المتحدة على مدار السنوات الماضية بفضل “ثورة النفط الصخري”، والتي كانت قد حولت البلاد إلى أكبر منتج ومصدر للنفط عالمياً.

وتعود هذه الأزمة الهيكلية إلى سببين رئيسيين؛ الأول يكمن في السياسة المباشرة للبيت الأبيض، حيث قامت إدارة ترامب بسحب وتفويض ضخ نحو 172 مليون برميل من الاحتياطي البترولي الإستراتيجي (SPR) —منها 50 مليون برميل تم ضخها بالفعل مؤخراً— لتوفير معروض اصطناعي يمنع قفزات أسعار البنزين في المحطات المحلية التي تحوم حول 4.44 دولار للجالون (بزيادة 50% عما كانت عليه قبل الحرب)، مما يضع ضغطاً سياسياً كبيراً على الإدارة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.

أما السبب الثاني، فيتعلق بالاندفاع القياسي لشركات النفط والمصدرين الأمريكيين نحو الأسواق الدولية؛ حيث قفزت الشحنات الأمريكية من النفط الخام من 4.4 مليون برميل يومياً إلى 5.8 مليون برميل يومياً في غضون أسبوع واحد، وهو معدل تصدير يتجاوز الحصص الإنتاجية الفردية لعديد من دول منظمة “أوبك”. وجاء هذا الاندفاع لسد الفراغ الكبير الناجم عن الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز الاستراتيجي بين إيران وعُمان، والذي كان يعبر من خلاله نحو خمس الإمدادات العالمية (20 مليون برميل يومياً من إجمالي الطلب العالمي البالغ 100 مليون برميل).

وفي تعليق على هذا المشهد المأزوم، يرى محللو الطاقة لدى مجموعة “أونيكس كابيتال” أن الولايات المتحدة باتت تلعب دور “المقرض الأخير” في أسواق النفط العالمية، حيث تعمل كمنظم وممتص للصدمات لتعويض الإمدادات المفقودة من الشرق الأوسط. لكن المحللين يحذرون من أن قدرة واشنطن على امتصاص هذه الصدمات تظل محدودة وفانية، ومع استمرار تناقص هذا المخزون التخزيني، سيتحول “صمام الأمان” تدريجياً إلى مصدر للقلق والضغط على الأسواق بدلاً من بث الطمأنينة.

وبالرغم من التراجع الطفيف الذي شهدته الأسعار في الأسابيع الأخيرة مدفوعاً بتصريحات ترامب المتفائلة حول قرب التوصل إلى اتفاق سلام، إلا أن تجدد العمليات القتالية واستمرار إغلاق المضيق بددا تلك الآمال، ورفعا خام غرب تكساس الوسيط مجدداً بنسبة 2.6% ليصل إلى 96.17 دولار للبرميل. ويجمع خبراء أسواق السلع، ومنهم محللو “كيبلر”، على أن تهافت المشترين الدوليين على النفط الأمريكي لتعويض نقص المعروض سيواصل الضغط على المخزونات الأمريكية حتى تصل إلى مستويات حرجة جداً، مما سيجبر الأسعار في نهاية المطاف على الارتفاع الحاد لإبطاء وتيرة التصدير، محذرين من أنه عندما تتوقف الصادرات الأمريكية، “ستتوقف الموسيقى” تماماً في الأسواق لعدم وجود أي مورد بديل يلجأ إليه العالم.

المصد: “فايننشال تايمز”،

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً