أعاد تقرير استقصائي حديث فتح الصندوق الأسود لواحد من أعقد الملفات الإعلامية في فرنسا، مسلطاً الضوء في شهادة حية وموثقة على كواليس هيمنة الملياردير الفرنسي، فانسون بولوري (Vincent Bolloré)، على شبكة قنوات “كانال بلس” (Canal+) عام 2015. وجاء التقرير ليكشف كيف تحولت أولى خطوات الملياردير في المنظومة الإعلامية من الاستثمار التجاري إلى فرض رقابة صارمة وحجب كلي للتحقيقات الصحفية المزعجة، قبل أن يمتد مقص الرقيب لتغيير الهوية النقدية والساخرة لأشهر برامج الشبكة .
لم تكن إدارة بولوري للشبكة مجرد مرحلة انتقالية، بل بدأت بقرارات حاسمة وصادمة؛ ففي اليوم الأول لتوليه زمام الأمور، تحرك الإمبراطور المالي لحظر تقرير استقصائي كان مجدولاً للبث ضمن برنامج الصحافة الاستقصائية الشهير Spécial Investigation .
ووفقاً للوثائق والمعطيات التي عرضها التقرير، فإن التحقيق الملغى كان يفضح ملفاً بالغ الحساسية يتعلق بتورط فرع تابع لبنك “كريدي ميتويل” (Crédit Mutuel) – الذي يديره ميشيل لوكا، الصديق المقرب لبولوريه – في عمليات تبييض أموال وقبول حقائب نقدية ضخمة غير قانونية، فضلاً عن تسهيل تهريب ثروات كبار الأثرياء نحو الملاذات الضريبية في سويسرا.
عقب موجة من الاحتجاجات العارمة التي قادها صحفيو القناة دفاعاً عن استقلاليتهم، اختار بولوري الحل الراديكالي؛ حيث أقدم في عام 2016 على إلغاء برنامج Spécial Investigation نهائياً من شبكة البرامج. وهي الخطوة التي وصفها إعلاميون فرنسيون في الشهادة بأنها كانت بمثابة “توقيع رسمي على وثيقة إعدام الصحافة الاستقصائية المتلفزة في فرنسا” .
ولم تتوقف الاستراتيجية عند حدود إلغاء البرامج، بل امتدت لتشمل هندسة ما يُعرف بـ”شراء الصمت الجبري”. حيث كشف الصحفي صاحب التقرير عن آليات تتبعها الإدارة لإجبار مئات الصحفيين والموظفين المغادرين للقناة على توقيع بنود سرية صارمة تُعرف بـ “بند الصمت” (Clause de silence) . ويأتي هذا الإجراء المقيد لمنع الكفاءات الإعلامية من كشف الحقائق أو الحديث عن كواليس الضغوط التي تُمارس داخل غرف الأخبار بعد مغادرتهم للشبكة.
على مدار عقدين من الزمن، قاد بولوري حرباً قضائية شرسة عُرفت بـ “الدعاوى البالونية أو الترهيبية” ضد وسائل إعلام وبرامج استقصائية حكومية وخاصة ناقشت أعماله ونفوذه (مثل برامج Pièce à conviction وComplément d’enquête)، واصلاً في بعض القضايا إلى المطالبة بتعويضات خيالية بلغت 50 مليون يورو ضد التلفزيون الحكومي بهدف كسر شوكة الصحفيين ماليًا . غير أن التقرير أكد أن الملياردير خسر جميع هذه القضايا، بل وصدرت بحقه إدانات قضائية بتهمة “التعسف في استخدام الإجراءات القانونية بغرض الترهيب”.
وفي الوقت الذي يحاول فيه إمبراطور المال توجيه دفت القوانين لصالحه، يشير التقرير في ختامه إلى موعد قضائي ثقيل؛ إذ من المرتقب أن يمثل بولوري أمام المحكمة الجنائية في باريس لمواجهة تهم ثقيلة تتعلق بـ “فساد موظفين عموميين أجانب في القارة الإفريقية” للحصول على امتيازات تسيير موانئ استراتيجية .

