السعودية… فصل جديد من “الاقتصاد الإبداعي”

أصدرت وزارة الثقافة السعودية، في عام 2025، تقرير الحالة الثقافية لعام 2024 تحت عنوان “الأثر الثقافي”، كاشفةً عن حجم التحول الذي يشهده القطاع الثقافي في المملكة، من مجالٍ يرتبط بالأنشطة الرمزية إلى قطاع اقتصادي متكامل يقوم على الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل، ويعكس في جوهره اتساع مفهوم الثقافة ضمن مشروع التنمية الشاملة.

هذا التحول لا يظهر في الخطاب فقط، بل في الأرقام التي يقدمها التقرير بوصفها مؤشرات على تشكل “اقتصاد ثقافي” فعلي. فقد تجاوزت اتفاقيات الاستثمار الثقافي 4 مليارات ريال، مدعومة بـ58 شراكة استراتيجية وأكثر من 128 شراكة تخصصية، ما يعكس انتقال القطاع من مرحلة الدعم المؤسسي إلى مرحلة الاستثمار المنظم.

على مستوى البنية التحتية، ارتفع عدد المنشآت الثقافية المفتوحة للجمهور إلى 94 منشأة ثقافية، إلى جانب استكمال 194 مشروعًا ثقافيًا وإطلاق 12 مسرّعة أعمال ثقافية. هذه المؤشرات لا تعكس توسعًا كمّيًا فقط، بل بناء شبكة إنتاج ثقافي تُدار بمنطق اقتصادي حديث.

في سوق العمل، يكشف التقرير عن رقم لافت يتمثل في 282,709 موظفًا في القطاع الثقافي، ما يجعل الثقافة واحدة من أكبر مجالات التشغيل الناشئة. ويبرز قطاع الطهي بوصفه أحد مكونات هذا الاقتصاد، مستحوذًا وحده على 139,216 وظيفة، في دلالة على اتساع مفهوم الثقافة ليشمل أنماط العيش والصناعات المرتبطة بها.

وفي إطار ركيزة «الثقافة كنمط حياة»، برزت «مبادرة العناية بتراث المملكة وتطوير مكوناته» بوصفها أحد المحركات الأساسية للحفاظ على التراث وتفعيله اقتصاديًا وسياحيًا. وقد أسهمت المبادرة في تأهيل 15 موقعًا أثريًا وتراثيًا، إلى جانب تأهيل وتطوير 11 قرية تراثية بالكامل، فضلاً عن تشغيل 10 مراكز جديدة للحِرف والصناعات اليدوية، ما يعكس انتقال التراث من مجرد فضاء للتوثيق إلى مورد حيّ للإنتاج الثقافي والاقتصادي، مرتبط مباشرة بالتنمية المحلية وتمكين الحرفيين.

كما تم تسجيل 2,260 موقعًا أثريًا جديدًا، بينما تجاوز عدد الزوار 14.1 مليون زائر، مع وجود 232 موقعًا قابلًا للزيارة. وتبرز «جدة التاريخية» كأحد أبرز النماذج، بأكثر من 12 مليون زيارة، ما يعكس اندماج التراث في الدورة الاقتصادية السياحية.

أما في جانب بناء القدرات، فقد تخرج 29,211 خريجًا وخريجة في تخصصات ثقافية وفنية، إلى جانب 881 مبتعثًا ثقافيًا، وإطلاق مؤسسات تعليمية متخصصة مثل «جامعة الرياض للفنون»، واستقبال المعهد الملكي للفنون التقليدية نحو 3,000 طالب وطالبة.

ما تكشفه هذه المؤشرات لا يقتصر على النمو، بل يشير إلى تحول بنيوي في موقع الثقافة داخل الدولة والمجتمع. فالثقافة لم تعد تُفهم بوصفها نشاطًا ترفيهيًا أو رمزيًا، بل أصبحت جزءًا من معادلة الاقتصاد الوطني، ضمن ما يُعرف بـ“الاقتصاد الإبداعي”.

للإشارة، تعد الحالة الثقافية في السعودية، توصيفا شاملا لمستوى النشاط والإنتاج والتفاعل الثقافي في المملكة، ويشمل ذلك الفنون، الأدب، التراث، السينما، المسرح، النشر، والصناعات الإبداعية، إضافة إلى المشاركة المجتمعية في الفعل الثقافي.

وتُستخدم هذه العبارة أيضًا للدلالة على التقارير الدورية التي تصدرها وزارة الثقافة السعودية لرصد تطور القطاع الثقافي، وقياس مؤشرات نموه مثل الاستثمار، سوق العمل، البنية التحتية، والتعليم الثقافي، بما يعكس موقع الثقافة ضمن التنمية الشاملة والتحولات الاجتماعية والاقتصادية في إطار رؤية السعودية 2030.

المصدر : وزارة الثقافة السعودية

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً