شهدت الجزائر اليوم إحياءً مهيباً للذكرى الرابعة والستين لـ “المحرقة الكبرى” للكتاب، حيث استحضرت الذاكرة الوطنية بمرارة وحزم سلسلة جرائم المستعمر الفرنسي التي بلغت ذروة حقدها الثقافي في السابع من جوان 1962؛ وتأتي هذه المناسبة، لتسليط الضوء على الاعتداء الإرهابي الآثم للمنظمة السرية (OAS) التي فجرت المكتبة الجامعية بالعاصمة محوّلةً أزيد من نصف مليون كتاب ومخطوط نادر إلى كومة من الرماد، في محاولة يائسة لاغتيال الهوية الروحية والعلمية للشعب الجزائري عشية استقلاله.
و في هذا السياق أحيا المتحف الولائي للمجاهد بمستغانم، اليوم الأحد 07 جوان 2026، الذكرى الـ 64 لجريمة حرق المكتبة الجامعية بالجزائر العاصمة، والتي ارتكبتها المنظمة الشجرية السرية (OAS) بتاريخ 07 جوان 1962، وذلك في إطار جهود توثيق وإحياء المناسبات الوطنية والمحلية وتخليد ذكريات رموز وأبطال المقاومة الثقافية والتاريخية للبلاد.
وتعود تفاصيل هذه الفاجعة الثقافية والعلمية إلى منتصف نهار السابع من جوان سنة 1962 (على الساعة 12:30 زوالاً)، حين أقدمت المجموعات الإرهابية للمستعمر على زرع ثلاث قنابل موقوتة داخل مبنى المكتبة الجامعية لجامعة الجزائر، مما أدى إلى تحويل أقدم مؤسسة علمية في البلاد إلى كومة من الرماد، متسببة في هدم البناية وقاعتها الرئيسية ومخازنها الأربعة بأكملها، وإتلاف سلاسل ودوريات يفوق عمرها القرن، فضلاً عن مخطوطات عربية نادرة ومؤلفات تاريخية تعود للسنوات الأولى للطباعة بالحرفين العربي واللاتيني.
واختلفت التقارير الإعلامية الدولية الصادرة آنذاك في تحديد الحجم الدقيق للمحرقة؛ حيث نقلت جريدة “فرانس – سوار” الفرنسية أن النيران التهمت 600,000 كتاب، في حين أشارت جريدة “لوفيغارو” إلى تفحم 500,000 كتاب من أرصدة المكتبة، بينما أكدت جريدة “لوموند” أن قرابة 600,000 مجلد ووثيقة تاريخية كانت طعماً لألسنة اللهب. وعقب هذا الاعتداء الإجرامي، اضطرت وحدات من الجيش الفرنسي للتدخل لحماية ما تبقى من المنشأة بعد أن غادرها كافة العمال الأوروبيون.
وأمام هذا التدمير الممنهج، بادر الجيل الأول من مثقفي الاستقلال بتوحيد صفوفهم وإمكانياتهم المحدودة لإعادة إعمار المكتبة، حيث تكللت تلك الجهود بتأسيس “اللجنة العالمية لإعادة إعمار المكتبة الجامعية بالجزائر” في 19 ديسمبر 1962، والتي تشكل مكتبها الإداري من السيد محمود بوعياد رئيساً، ونور الدين سكندر نائباً له، وجان سيناك سكرتيراً عاماً، والآنسة جان ماري فرانس سكرتيرة مساعدة، إلى جانب السيدة صلاح باي المكلفة بالمالية، وسعد الدين بن اشنب مكلفاً بالعلاقات الخارجية، ومصطفى حرتراتي مكلفاً بالعلاقات الداخلية.
وفي سياق متصل، يستحضر المشهد الثقافي بهذه المناسبة مسار “المكتبة الوطنية الجزائرية” التي تعد أقدم مؤسسة ثقافية في الجزائر، والمنشأة بموجب مرسوم من وزارة الحرب الفرنسية بقيادة “جانتي ديبوسي” في 13 أكتوبر 1835. وقد انطلقت عمليات جمع رصيدها الأول بجهود أول محافظ لها “أدريان بيربروجيه” الذي جمع نحو 700 مخطوطة من مدينة قسنطينة كأنواة أولى أودعت ببيت سكني بشارع “صولاي” بباب الواد، ثم نُقلت سنة 1838 إلى ثكنة عسكرية انكشارية بباب عزون إلى غاية 1848، قبل أن تستقر بقصر مصطفى باشا بالقصبة من سنة 1863 حتى 1958.
وقد استكملت المكتبة الوطنية رحلة صمودها التاريخي بافتتاح مقرها الحديث بشارع “فرانس فانون” بتليملي في أعالي العاصمة سنة 1958، لتتربع على مبنى يمتد على مساحة 4,800 متر مربع، يضم قاعة مطالعة تتسع لـ 450 مقعداً ومخازن بطول 17 كيلومتراً طُولياً، استوعبت آنذاك 600,000 كتاب، مع قدرة استيعابية إجمالية تصل إلى مليوني كتاب.
المصدر: تقرير إعلامي توثيقي — المتحف الولائي للمجاهد بمستغانم.

