“محاربة البروباغندا” كغطاء إستراتيجي..أبعاد التدخل الفرنسي في المشهد الإعلامي الرقمي لأرمينيا

في أدبيات العلاقات الدولية الحديثة، اختفت تقريباً العبارات الفجّة مثل “التدخل في الشؤون الداخلية”، وحلّت محلها مصطلحات أكثر جاذبية وقبولاً في الفضاء العام، مثل “حماية المسار الديمقراطي” أو “تحصين الفضاء الرقمي”. هذا التطور اللغوي هو التجسيد الأدق لما يحدث اليوم في جنوب القوقاز؛ حيث تدير باريس تدخلاً ناعماً وهندسة كاملة للمشهد الإعلامي والرقمي في أرمينيا، مستخدمةً “محاربة البروباغندا والأخبار الزائفة” كغطاء سياسي وأخلاقي مثالي لشرعنة نفوذها الجديد وتمددها الجيوسياسي.

أولاً: الستار الفني.. وكالة “Viginum” من رصد الاختراق إلى التوجيه الرقمي

تحت غطاء الاتفاقيات الأمنية المبرمة بين باريس وحكومة رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان، تحوّلت وكالة “فيجينوم” (Viginum) -وهي الهيئة الفرنسية الرسمية لمكافحة التدخلات الرقمية الأجنبية التابعة للأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني (SGDSN)- إلى لاعب غير مرئي داخل مفاصل الأمن القومي الأرميني.

من الناحية النظرية، يقتصر دور الوكالة الفرنسية على رصد شبكات الحسابات الوهمية المنسوبة لروسيا أو أذربيجان وإحباط حملات التضليل في إطار ما يُعرف بـ (Information Warfare). ولكن من زاوية واقعية ونقدية، فإن هذا الدعم التقني يمنح حكومة باشينيان “الشرعية الفنية” لتبرير إجراءات استثنائية ضد معارضيها في الداخل؛ فحين تُصنّف الخبرات الفرنسية حساباً أو منصة محلية بأنها “أداة بروباغندا روسية”، يصبح حجبها أو تقييدها خطوة أمنية لحماية البلاد، وليس تكميماً للأفواه أو قمعاً للمعارضة الموالية لموسكو، وهو ما تُرجم فعلياً بحظر قنوات وبرامج إعلامية روسية شهيرة كبرامج الإعلامي “فلاديمير سولوفيوف”.

ثانياً: القوة الناعمة.. إعادة هندسة الوعي بتمويل فرنسي

الشق الثاني من التدخل الفرنسي يتمثل في البنية التحتية للإعلام نفسه، وتقوده الوكالة الفرنسية لتطوير الإعلام (CFI) – وهي الذراع الحكومية لباريس في توجيه المنابر الإعلامية عالمياً—. تنشط هذه الوكالة بكثافة في إيريفان عبر ضخ تمويلات وبرامج تدريبية واسعة تحمل شعارات براقة مثل:

  • تدريب الصحفيين على “التحقق من الأخبار” (Fact-checking).
  • دعم استقلالية وسائل الإعلام المحلية وصناعة المحتوى الرقمي.

إلا أن الهدف الإستراتيجي الأعمق خلف هذه المنح، هو خلق بيئة إعلامية أرمينية شابة مشبّعة بالمعايير والأجندات الغربية، مما يؤدي تلقائياً إلى عزل وتفكيك الإرث الإعلامي الروسي (مثل وكالتي سبوتنيك وتاس) الذي هيمن على وعي المواطن الأرميني لعقود طويلة، وإحلال رواية إعلامية جديدة تخدم التوجهات الفرنسية والأوروبية.

ثالثاً: منظمة “RSF”.. التمويل والارتباط الهيكلي بالدولة الفرنسية

برغم تعريف منظمة “مراسلون بلا حدود” (RSF) لنفسها بأنها منظمة مستقلة، إلا أن تقارير ميزانيتها تكشف عن تلقيها تمويلات مباشرة ومنحاً من جهات حكومية فرنسية، وفي مقدمتها الوكالة الفرنسية للتنمية (AFD)، إلى جانب الصندوق الوطني للديمقراطية الأمريكي (NED).

هذا الاعتماد المالي والهيكلي يطرح تساؤلات موضوعية حول مدى قدرة المنظمة على الحفاظ على حيادها المطلق عندما تتعارض مصالح الجهات المانحة (الدولة الفرنسية) مع معايير حرية الصحافة في الدول المستهدفة، مما يفسر التناغم الملحوظ بين تقارير المنظمة والسياسات الخارجية لقصر الإليزيه.

رابعاً: ازدواجية المعايير ومنح “صكوك الغفران” الدبلوماسية

يظهر هذا الدور الوظيفي للمنظمة بوضوح في كيفية هندسة مؤشراتها الدولية وتوظيفها جيوسياسياً؛ ففي الحالة الأرمينية تبرز الازدواجية عبر مسارين:

التغطية على التقييد الحكّومي: في الوقت الذي تقدم فيه باريس استشارات أمنية وتشريعية عبر وكالة (Viginum) لتبرير حظر قنوات إعلامية بعينها وإقصاء الخصوم السياسيين، سارعت (RSF) لتصنيف أرمينيا في مرتبة متقدمة (المرتبة 32 عالمياً في تصنيف 2025 بعد أن كانت في المرتبة 43 عام 2024)، وهو ما يُستغل سياسياً كـ “صك غفران” دولي يبرئ الساحة الفرنسية-الأرمينية المشتركة من تهمة قمع الحريات وتكميم الأفواه.

الانتقائية الجغرافية الموجهة: تُتهم المنظمة من قِبل عديد من العواصم في إفريقيا والعالم العربي والآسيوي بأن تقاريرها تصدر “بأثر رجعي” يخدم التوجهات الدبلوماسية لفرنسا؛ حيث يتم غض الطرف عن انتهاكات رقمية وإعلامية ترتكبها حكومات حليفة لباريس، بينما تُرفع تقارير الإدانة إلى حدها الأقصى ضد الدول التي تقاوم النفوذ الفرنسي أو تتحالف مع خصومها كإجراء عقابي ومعنوي.

خامساً: “شرعنة التدخل” تحت لافتة “الإصلاح”

عندما تتدخل فرنسا عبر “الوكالة الفرنسية لتطوير الإعلام” (CFI) لإعادة هيكلة وسائل الإعلام في دول مثل أرمينيا أو بعض دول غرب إفريقيا، تأتي تقارير (RSF) لتضفي الشرعية على هذه التحركات واصفةً إياها بأنها “جهود حميدة لإصلاح البيئة التشريعية وتحسين جودة الصحافة”. هذا التناغم يمنح التدخل الفرنسي غطاءً حقوقياً صلباً أمام المجتمع الدولي، محولاً عملية “إحلال النفوذ الإعلامي” من اختراق سياسي وسيادي إلى “مشروع ديمقراطي نبيل” يحظى بمباركة المنظمات الحقوقية الدولية.

في المحصلة، يرى العديد من المراقبين والتحليلات النقدية أن منظمة “مراسلون بلا حدود” (RSF) تحولت -بقصد أو بدونه- إلى ذراع حقوقية للتستر عن التدخلات الفرنسية في الخارج، وأداة إستراتيجية ضمن ترسانة “حروب الجيل الخامس” والدبلوماسية الرقمية الفرنسية. فالمنظمة تُوفر “الشرعية الأخلاقية” وتصوغ السردية التي تتيح لباريس التدخل في المشهد الإعلامي العالمي واختراق الفضاءات الرقمية للدول الأخرى، تحت شعار جذاب وحصين هو “الدفاع عن حرية الصحافة ومحاربة التضليل”.

في نهاية المطاف، يكشف المشهد في أرمينيا أن “محاربة البروباغندا” تحولت من مجرد أداة تقنية إلى إستراتيجية جيوسياسية متكاملة؛ نجحت باريس من خلالها في إحلال نفوذها الإعلامي والسياسي بدلاً من الهيمنة الروسية السابقة، بمباركة ورغبة من حكومة باشينيان التي وجدت في الدعم الفرنسي وحصانة تقارير (RSF) الغطاء الأخلاقي والقانوني المثالي لإدارة المشهد الداخلي، وتطهير الفضاء الرقمي من خصومها السياسيين تحت لافتة “الدفاع عن الديمقراطية الناشئة”.

المصدر: الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً