في وقت تشهد فيه فرنسا حالة من الاستقطاب السياسي غير المسبوق، برز الممثل الكوميدي وصانع المحتوى الفرنسي “حكيم أوميري” (Akim Omiri) كظاهرة إعلامية تتجاوز حدود الترفيه لتلامس عصب السياسة الفرنسية.
ومن خلال برنامجه الجريء “La Riposte” (الهجوم المضاد) على “راديو نوفا”، لم يعد أوميري مجرد فنان كوميدي، بل بات يمثل صوتاً متمرداً يخشى صُنّاع القرار في باريس أن يتحول إلى “كابوس” حقيقي للنظام مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي لعام 2027.
كوميديا “الهجوم المضاد” ودرع في وجه خطاب الكراهية و العنصرية في فرنسا
لا تقتصر أهمية حكيم أوميري على أسلوبه الساخر فحسب، بل تكمن في كونه تحول إلى رأس حربة في مواجهة خطاب الكراهية والعنصرية الذي يروج له اليمين المتطرف في فرنسا، لا سيما ضد المهاجرين. ومن خلال منصته في “راديو نوفا”، يقدم أوميري تفكيكاً يومياً للمغالطات التي يستخدمها السياسيون والإعلاميون اليمينيون، معتبراً أن دوره يتجاوز الكوميديا ليصبح “واجباً أخلاقياً” للدفاع عن الفئات المهمشة. فهو يخوض معركة مفتوحة ضد “التنميط” و”خطاب التخويف” (Xenophobia)، مصراً على أن الجمهور الذي يخاطبه هو “الأغلبية” التي تحاول وسائل الإعلام الممولة من قبل أقطاب اليمين تهميشها أو تصويرها كأقلية متطرفة.
و منذ انطلاق برنامجه “La Riposte” (الرد/الهجوم المضاد)، إستطاع أوميري أن يحدث قطيعة مع الكوميديا الفرنسية التقليدية التي غالباً ما كانت تتجنب الصدام المباشر مع النخب واعتمد كوميديا “الهجوم المضاد” . وبأسلوب يعتمد على السخرية السوداء وتفكيك الخطاب الإعلامي الرسمي، استطاع أوميري بناء قاعدة جماهيرية واسعة في المشهد الفني الفرنسي، و خاصة لذى الفئات التي تشعر باحتياج متزايد لمن يمثلها في وجه “السردية الرسمية” التي تهيمن عليها القنوات التلفزيونية الكبرى.
سنة مفصلية: الطريق إلى 2027
يأتي صعود أوميري في توقيت شديد الحساسية؛ ففرنسا تستعد لانتخابات رئاسية في عام 2027، وهي سنة مفصلية قد تعيد تشكيل وجه الجمهورية. وفي ظل التوقعات التي تشير إلى إمكانية صعود قوى اليسار الراديكالي، وعلى رأسها “جان لوك ميلونشون” وحزب “فرنسا الأبية”، يجد النظام الفرنسي نفسه أمام تحدٍ وجودي. يرى مراقبون أن “الكوميديا الاحتجاجية” التي يقودها أوميري تعمل كقوة تعبئة رقمية موازية، حيث ينجح في توجيه بوصلة جيل الشباب نحو قضايا العدالة الاجتماعية، مما يخدم بشكل غير مباشر التيارات اليسارية التي تسعى لإنهاء هيمنة الوسط واليمين.
كابوس النظام الفرنسي في العصر الرقمي
ما يجعل حكيم أوميري “كابوساً” للنظام الفرنسي هو طبيعة أدواته؛ فهو لا يحتاج إلى تراخيص من مؤسسات إعلامية خاضعة للدولة. ومن خلال منصات “راديو نوفا” وشبكات التواصل الاجتماعي، استطاع خلق “مساحة آمنة” للنقاش السياسي الحر. هذه الاستقلالية تجعل من الصعب على السلطات تقييد خطابه، خاصة وأن تأثيره يمتد إلى قلب الضواحي والمناطق التي باتت ترى فيه صوتاً يدافع عن كرامتها في وجه تصاعد الخطاب العنصري.
إن الخوف الحقيقي لدى النخبة الفرنسية ليس من الكوميديا، بل من تحول “السخرية” إلى “وعي سياسي” يخرج إلى صناديق الاقتراع في 2027. وإذا ما نجح هذا التيار الإعلامي البديل في تحصين جيل الشباب ضد خطابات الكراهية، وتوجيههم نحو دعم خيارات سياسية جذرية، فقد يجد النظام الفرنسي نفسه أمام واقع سياسي جديد لم يعد فيه “الإعلام التقليدي” قادراً على حمايته أو توجيه الرأي العام.
في خضم هذا الصراع، يبقى حكيم أوميري رقماً صعباً في المعادلة الفرنسية القادمة، حيث تثبت تجاربه أن الكلمة الساخرة، حين تمتزج بالمواقف المبدئية ضد العنصرية، يمكن أن تتحول إلى أداة قوية لهز أركان النظام السياسي التقليدي.

