شهدت أسواق النفط العالمية هذا العام حالة غير مسبوقة من “نزيف السيولة”، حيث تسببت التقلبات الحادة في الأسعار، الناتجة عن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بين واشنطن وطهران، في دفع المستثمرين نحو التخارج من السوق، منهيين بذلك فترات طويلة من الاستقرار النسبي.
وفقاً لبيانات مجموعة بورصات لندن، سجلت المراكز المفتوحة لعقود خام “برنت” الآجلة تراجعاً بنحو 17% منذ مطلع عام 2026، وهو أسرع معدل انخفاض يُرصد منذ عام 2009 على الأقل. هذا “الهروب الجماعي” لرؤوس الأموال يعكس حالة من الإرهاق لدى المتداولين، الذين وجدوا أنفسهم أمام مشهد يتغير بين ساعة وأخرى.
ويعزو متعاملون هذا الاضطراب إلى نهج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إدارة الملف الإيراني عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يؤدي تصعيد التهديدات بشن ضربات عسكرية، يتبعه إعلان مفاجئ عن قرب التوصل لاتفاق سلام، إلى خلق بيئة تداول “غير قابلة للتنبؤ”، مما يجعل الاستمرار في العقود الآجلة محفوفاً بخسائر فادحة.
يقول مسؤول تنفيذي في أحد مكاتب التداول الكبرى: “الناس مرهقون من هذه الفوضى. لا يمكنك تداول العقود الآجلة دون أن تتكبد خسائر مستمرة في بيئة تتغير فيها الرسائل بين ساعة وأخرى”. هذا الإرهاق أدى إلى ندرة الأطراف المقابلة (بائعين ومشترين)، وهو ما يرفع بدوره حدة التقلبات السعرية؛ فندرة السيولة تجبر المتعاملين على القبول بأسعار متطرفة، مما يزيد من احتمالات المخاطرة.
على عكس أزمات الماضي، يرى جيفري كوري، المدير السابق لشؤون السلع الأولية لدى “جولدمان ساكس” والمستشار الحالي لدى “كارلايل”، أن انخفاض الأسعار وعدم صعودها فوق حاجز الـ 100 دولار للبرميل -رغم الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز- ليس ناتجاً عن وفرة المعروض، بل هو “عزوف طوعي لرأس المال”.
وفي منشور له على منصة “إكس” بتاريخ 10 يونيو الجاري، أوضح كوري: “ضبابية السياسة دفعت النفط إلى حالة من التقلب لا يمكن معها الاحتفاظ به”، مشدداً على أن الانخفاض في المراكز المفتوحة منذ بداية 2026 هو الأسوأ على الإطلاق، ومؤكداً أن السوق لا يواجه هذه المرة صدمة أسعار فائدة أو عقوبات تجبر المستثمرين على الخروج، بل “خروجاً اختيارياً” بسبب فقدان الثقة في اتجاهات السوق.
وتأتي هذه التطورات في وقت سجلت فيه أسعار النفط، اليوم الجمعة، انخفاضاً بنسبة 3% تقريباً، لتصل إلى أدنى مستوياتها في شهرين، بالتزامن مع تراجع ترامب عن تهديداته الأخيرة وتأكيده أن اتفاق إنهاء الحرب بات وشيكاً، وهو ما يجسد بوضوح مدى خضوع أسعار الطاقة لأهواء التفاعلات السياسية بدلاً من قوانين العرض والطلب التقليدية.
المصدر: رويترز

