يحتل الزنك اليوم موقعاً محورياً في الاقتصاد الصناعي العالمي، متصدراً قائمة المعادن الأكثر أهمية بعد الحديد والألومنيوم والنحاس، بحجم إنتاج سنوي عالمي يناهز 13 مليون طن.
وتخضع هذه المادة الحيوية -التي لا غنى عنها في قطاعات الجلفنة، وصناعة السبائك، والبناء- لتقلبات إنتاجية تعكس توازنات القوى الجيولوجية، حيث تتحكم دول محدودة في مفاصل الإمداد العالمي، مستندة إلى احتياطيات استراتيجية تضمن استمرارية التدفق الصناعي.
و تعكس هذه المعطيات الإنتاجية بشكل مباشر على حركة الأسعار في البورصات الدولية، حيث شهد سوق الزنك العالمي خلال عام 2026 تذبذبات واضحة نتيجة التفاعل بين مستويات العرض المتقلبة والطلب الصناعي.
وتأتي هذه التقلبات في سياقٍ تاريخيٍ متقلبٍ شهدته أسعار الزنك على مدار العقد الأخير؛ فبعد أن كانت الأسعار تتأرجح في مستويات منخفضة قاربت 1,500 دولار للطن في عام 2016، شهدت قفزات تاريخية تجاوزت حاجز 4,300 دولار للطن في ذروة عام 2022، قبل أن تعود وتستقر في نطاقات التداول الحالية فوق مستوى 3,500 دولار
وتتربع الصين بلا منازع على هرم الإنتاج العالمي، مستحوذة على النصيب الأكبر بما يتجاوز 4 ملايين طن سنوياً، مما يمنحها قدرة فائقة على التأثير في مستويات الأسعار.
وإلى جانب العملاق الآسيوي، تلعب بيرو وأستراليا أدواراً جوهرية كأعمدة استراتيجية، إذ تساهم كل منهما بإنتاج يتجاوز 1.3 مليون طن. وتتوزع بقية الحصص الإنتاجية على أقطاب مثل الولايات المتحدة، الهند، والمكسيك، التي يراوح إنتاجها السنوي بين 600 ألف و850 ألف طن، مما يرسخ مفهوم التعددية في مصادر التوريد رغم تركزها في مناطق جغرافية محددة.
وفي هذا المشهد الجيوسياسي للمعادن، يبرز مشروع منجم بجاية للزنك كأحد أهم الركائز الاستراتيجية لقطاع التعدين في الجزائر، وثمرة شراكة متينة بين المجمع الجزائري “سوناريم” وشركة “تيرامين” الأسترالية.
ويصنف مشروع منجم بجاية للزنك ضمن أكبر 10 مناجم للزنك والرصاص عالمياً، مما يمنح الجزائر ثقلاً نوعياً، ويعزز قدراتها في تنويع الاقتصاد الوطني. وتشير الأرقام إلى حجم استثنائي، باحتياطيات تقدر بـ 53 مليون طن من الخام، منها 34 مليون طن قابلة للاستخراج، بتركيبة نوعية تضم 78% زنك و22% رصاص. ومن المنتظر أن يبلغ الإنتاج السنوي قرابة 170 ألف طن من الزنك و30 ألف طن من الرصاص، مع توقعات برفع إنتاج الزنك إلى 250 ألف طن سنوياً، فضلاً عن استثمارات بقيمة 471 مليون دولار وإيرادات سنوية متوقعة بـ 215 مليون دولار، مع خلق ما يصل إلى 5000 منصب شغل مباشر وغير مباشر.
وفي ظل تقديرات مجموعة دراسة الرصاص والزنك الدولية (ILZSG) التي تتأرجح بين تسجيل عجز طفيف أو فائض عرض يصل إلى 271 ألف طن متري بنهاية العام، يظل استقرار الإنتاج هو الرهان الأكبر. إن القدرة على الحفاظ على مستويات إنتاجية مستدامة، خاصة في المشاريع الجديدة الكبرى، هي التي ستحدد قدرة الأسواق على استيعاب احتياجات المستقبل، مما يضع المشاريع التعدينية الاستراتيجية في قلب الاهتمامات الاقتصادية الدولية لعام 2026.
المصدر: الصحفي

