يُمثّل الكرسي الأكاديمي الذي استحدثته جامعة أكسفورد العريقة باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر، إضافة نوعية متميزة لسلسلة الكراسي الدولية التي تحتفي برموز التراث في دول الجنوب، وتحديداً التراث العربي والإسلامي. ولا تُعد هذه المبادرات الأكاديمية مجرد تكريم لرموز تاريخية أو ألقاب عابرة، بل هي مؤسسات بحثية رصينة أثرت المشهد العلمي العالمي، وتركت بصمة إنسانية عميقة ساهمت في إعادة صياغة مفاهيم القيم الكونية؛ كالتسامح، وأخلاقيات القيادة، والدبلوماسية الإنسانية.
ويأتي تأسيس كرسي ، الأمير عبد القادر في أكسفورد ليؤكد مجدداً أن هذا الفكري يتجاوز بحدوده التاريخ الوطني الجزائري، ليغدو مدرسة عالمية مُلهمة في إرساء قيم التعايش السلمي وحماية حقوق الأقليات، لا سيما في ظل أزمات الصراع التي يشهدها العالم اليوم.
ان هذه الانجاز التاريخي ياتي ليضاف ل يتجلى هذا الحضور الأكاديمي المشرق في نماذج معرفية عالمية مرموقة، على غرار كرسي ‘ابن رشد’ للفلسفة المقارنة والفقه في جامعتي كولومبيا وقرطبة، ومبادرات المركز العربي للأبحاث التي ترفد البحث في الفلسفة العربية. ولا تقتصر هذه البصمات الحضارية على العلوم الإنسانية فحسب، بل تمتد لتشمل كرسي ‘ابن سينا’ في جامعة لوفان البلجيكية المتخصص في تاريخ العلوم والطب، وكرسي ‘الخوارزمي’ للرياضيات في كبرى الجامعات التقنية الأوروبية، الذي يُعد جسراً رمزياً يربط بين الأب الروحي لعلم الجبر وتطبيقات الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات المعاصرة.
لم تعد هذه الكراسي الأكاديمية مجرد منصات للبحث التاريخي، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية لـ ‘القوة الناعمة’، تسعى إلى إعادة بناء جسور الدبلوماسية الحديثة بين الشمال والجنوب على أسس من الندية والحوار الفكري. ومن هنا، تبرز ضرورة وطنية ملحة للانتقال من مرحلة ‘الاحتفاء بالتاريخ’ إلى مرحلة ‘الاستثمار المعرفي’؛ وذلك عبر تعزيز الشراكات الجامعية، وتكثيف المنح البحثية، والرقمنة المكثفة للإرث الحضاري، ليغدو ذلك محركاً للابتكار، ومنطلقاً لتقديم رؤىً معرفية تستجيب للتحديات العالمية الراهنة.
لقد طبعت هذه الشخصيات التاريخية مسار الفكر الإنساني بإسهامات جليلة في العلوم والسياسة والفلسفة، وظلت رسائلهم المفعمة بالعلم والسلام حيةً عبر العصور، لتساهم اليوم في استنهاض الوعي الإنساني. وفي ظل تصاعد خطابات الكراهية والتشويه الممنهج ضد دول الجنوب، ولا سيما العالم العربي والإسلامي، تكتسب هذه المبادرات الأكاديمية بُعداً دفاعياً معرفياً؛ فهي ليست مجرد تكريمٍ رمزي، بل هي مواجهة فكرية صريحة تُسقط السرديات الاستشراقية المغلوطة، وتُقدم نماذج مُلهمة –كالأمير عبد القادر– كحجة دامغة على أن الفعل الحضاري هو فعل بناء وتعايش لا صراع. وهو ما يفرض على المجتمع الدولي إعادة قراءة الدور الريادي لحضارتنا في صياغة القيم الإنسانية المشتركة، بعيداً عن أطر التنميط والتحيز.

