من صخب الميدان إلى طاولات التفاوض…. كيف رسم “حلف المقاومة” صياغة وجوده دولياً؟

تُعد الاتفاقية الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة منعطفاً تاريخياً يتجاوز مجرد إنهاء التوتر؛ فهي المرة الأولى التي يخرج فيها “حلف المقاومة” من عباءة الفاعل الميداني غير الرسمي ليصبح ركيزة موثقة في هندسة النظام الدولي. لم يعد الحلف مجرد قوة ردع تتحرك في الميادين المفتوحة، بل تحول بموجب هذه الوثيقة إلى كيان سياسي يكرس وجوده من خلال نصوص قانونية معترف بها، مانحاً إياه صفة الشريك الاستراتيجي الذي لا يمكن تجاوزه في معادلات الشرق الأوسط.

و تتضمن مذكرة التفاهم التي تم التوصل إليها محاور استراتيجية فرضت واقعاً جديداً، يمكن تلخيص أبرز بنودها في التالي:

أولاً، السيادة اللبنانية كأولوية قانونية: تضمن البند الأول من الاتفاقية نصاً صريحاً بـ “ضمان سيادة واحترام وحدة الأراضي اللبنانية”. هذا البند لم يكن ليتحقق لولا مفاوضات مضنية وإصرار إيراني في الساعات الأخيرة، رغم المعارضة التي أبداها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في المسودات السابقة. لقد حول هذا البند شعار “وحدة الساحات” من عقيدة تنظيمية إلى التزام دولي ملزم يربط أمن لبنان بالاتفاقية الشاملة.

ثانياً، إنهاء العمليات العسكرية: أقرت الوثيقة الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية على كافة الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية. هذا الالتزام التعاقدي أوقف التصعيد الذي كان يلوح في الأفق رداً على ضربات الضاحية الجنوبية، محولاً حالة “اللا حرب” إلى استقرار موثق بدبلوماسية تعاقدية.

ثالثاً، إدارة مضيق هرمز: تضمنت الاتفاقية ترتيبات خاصة للملاحة البحرية، تضمنت إعفاء السفن العابرة من الرسوم لمدة 60 يوماً. هذه الخطوة تمثل مقايضة استراتيجية تعترف بالدور الإيراني المحوري في تأمين الممرات البحرية، وتكرس مكانتها كطرف فاعل في ضبط إيقاع الطاقة العالمي.

الترسيم السياسي: نحو نظام إقليمي جديد

إن إصرار إيران على إدراج بنود السيادة في اتفاق مع قوة عظمى هو عملية “ترسيم سياسي” بامتياز؛ إذ لم تعد القوى الدولية قادرة على التغافل عن الدور الذي يلعبه الحلف. لقد انتقل الحلف من مربع “حروب الظل” إلى مربع الشريك القادر على انتزاع الاعتراف السياسي.

وبموجب هذا الاتفاق، لم تعد خرائط النفوذ مرسومة بالعمليات العسكرية فحسب، بل باتت محمية بإطار دبلوماسي يمنح الحلف الحصانة والاعتراف، ويضعه كلاعب أساسي يمتلك أوراق ضغط ملموسة في صياغة مستقبل الاستقرار الإقليمي.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً