يعيش قطاع النقل والمواصلات في القارة السمراء والوطن العربي تحولات هيكلية كبرى نحو تعزيز التنمية المستدامة والاعتماد على الطاقة النظيفة. وفي قلب هذا الحراك البنيوي، تبرز مفارقة إحصائية لافتة تعكس حجم الاستثمارات الضخمة؛ إذ تتربع الجزائر على العرش الإفريقي والعربي بلا منازع من حيث عدد المدن التي تتبنى هذا النظام العصري، متفوقة على دول ذات تاريخ عريق في النقل الحديدي مثل جمهورية مصر العربية التي تنحصر شبكاتها في مدينتي القاهرة والإسكندرية.
وتسيطر الجزائر إقليمياً بـ 7 مدن تمتلك شبكات ترامواي نشطة وحيز الخدمة الفعلي، بإجمالي أطوال يتجاوز 114 كيلومتراً تُشرف على إدارتها وتشغيلها شركة تسيير خطوط الترامواي “سيترام” (SETRAM). وتتوزع هذه الشبكات عبر ولايات لتشمل مختلف الحواضر الكبرى من العاصمة إلى عمق الصحراء؛ حيث تأتي الجزائر العاصمة في الصدارة بشبكة يبلغ طولها 23.2 كم، تليها عاصمة الغرب وهران بـ 18.7 كم، ثم قسنطينة بـ 18.4 كم، وسيدي بلعباس بـ 17.8 كم، بالإضافة إلى مدينة سطيف بـ 15.2 كم، ومستغانم بـ 14.2 كم، وأخيراً ورقلة في الجنوب بطول 9.6 كم كأول ترامواي صحراوي يقاوم زحف الرمال والمناخ الجاف.
ولم يكن تربع الجزائر على رأس القائمة الإفريقية وليد الصدفة، بل جاء نتاج خطط استراتيجية وضعت “عصرنة قطاع النقل” في صدارة الأولويات؛ حيث تتعدى هذه المشاريع كونها مجرد وسيلة نقل جماعية لتصبح عناصر أساسية لإعادة الهيكلة البصرية والحضرية للمدن. فقد ترافق بناء السكك الحديدية مع إعادة تهيئة الواجهات العمرانية، وخلق مساحات خضراء، فضلاً عن تحفيز النسيج الصناعي المحلي من خلال مركب “سيتال” (CITAL) بعنابة المسؤول عن تجميع وصناعة العربات بنسب إدماج وطنية متصاعدة، مما يضع الجزائر في طليعة القارة كنموذج رائد في التوجه نحو الحلول الكهربائية النظيفة وصديقة البيئة.
تأتي جمهورية مصر العربية في المرتبة الثانية إفريقياً وعربياً خلف الجزائر من حيث عدد المدن المستغلة للشبكة، حيث ينحصر نظام الترامواي بها في مدينتين رئيسيتين هما القاهرة والإسكندرية. وتمتلك الإسكندرية أعرق شبكة ترامواي في القارة الإفريقية يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1860، حيث يبلغ طول خطوطها الحالية نحو 32 كيلومتراً موزعة على شبكتي ترام المدينة وترام الرمل. أما العاصمة القاهرة، فبعد عقود من الاعتماد على الترامواي الذي كان يمتد لقرابة 120 كيلومتراً في ضواحي مصر الجديدة، تم تفكيك معظم خطوطه تدريجياً لتخفيف الاختناق المروري، ليقتصر النقل الحديدي الحضري الحديث فيها حالياً على شبكة مترو الأنفاق الخفيف (LRT) ومونوريل العاصمة الإدارية الجديدة لتعويض الخطوط التقليدية.
وفي دول الجوار، يبرز المغرب وتونس كقوتين إقليميتين تليان الجزائر ومصر، مع تباين في التوزيع الجغرافي والأطوال؛ حيث ركزت المملكة المغربية استراتيجيتها على مدينتين كبريين هما الدار البيضاء والرباط. وتمتلك الدار البيضاء وحدها أطول شبكة ممتدة في مدينة واحدة على مستوى القارة بطول يتجاوز 72 كيلومتراً، مدعومة بشبكة العاصمة الرباط-سلا التي تمتد على طول 27 كيلومتراً، ليصل إجمالي أطوال الشبكة المغربية إلى قرابة 99 كيلومتراً موزعة على حاضرتين فقط.
وفي المقابل، تنفرد الجمهورية التونسية بنظام “المترو الخفيف لمدينة تونس” (وهو الاسم المحلي لشبكة الترامواي الحديثة)، والتي تتركز بالكامل في العاصمة تونس بإجمالي أطوال خطوط تبلغ حوالي 45 كيلومتراً عبر 6 خطوط رئيسية تربط وسط المدينة بأحيائها الكبرى، مما يضع هذه الدول الثلاث في الصدارة الإفريقية مباشرة خلف الشبكة الجزائرية السبع.
المصدر: الصحفي

