في أعماق التاريخ الجيولوجي لأفريقيا، وتحديداً في حقبة البليستوسين التي تمتد من حوالي 2.6 مليون إلى 11,700 سنة مضت، جاب نوع من الفيلة العملاقة أراضي القارة، تاركاً آثاره في مواقع حفرية تمتد من شمالها إلى جنوبها. هذا النوع هو Loxodonta atlantica، أو “فيل الأطلس” (نسبة إلى جبال الأطلس في شمال أفريقيا)، وهو سلف محتمل للفيل الأفريقي الحديث، الذي انقرض منذ حوالي 400,000 عام خلال منتصف العصر البليستوسيني.
و قد استطاع فريق بحث جزائري في اكتشاف ناب “فيل أطلسي” منقرض يعود إلى حوالي مليون سنة، وذلك بحالة حفظ استثنائية. وقد أظهرت التحاليل الأولية أن الناب ينتمي لفرد بالغ من هذه الفيلة التي عاشت خلال تلك الحقبة الزمنية، التي تشترك فيها الطبقات الرسوبية للموقع مع بقايا عظمية متنوعة لحيوانات ضخمة مثل البقريات والخيليات ووحيد القرن؛ كما كشفت الحفريات أيضاً عن وجود أدوات حجرية “أشولية”، مما يقدم دليلاً حياً على التواجد البشري القديم وتفاعله الوثيق مع هذه البيئة الطبيعية الغنية.
و أعلن فريق بحثي من المركز الجزائري للبحث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ، شهر جوان 2026، عن العثور على ناب “فيل أطلسي” منقرض من نوع Loxodonta atlantica، بحالة حفظ استثنائية في موقع “رجل تيغنيف” الأثري بمدينة معسكر.
و يشير السجل الأحفوري إلى أن L. atlantica كان أكبر حجماً من الفيل الأفريقي الحديث (Loxodonta africana)، وتميز بأسنان (أضراس) أكثر تطوراً، مما قد يشير إلى نظام غذائي مختلف أو تكيف بيئي خاص.
تشير المصادر العلمية إلى أن حفريات هذا النوع عُثر عليها في عدة مواقع أفريقية، من أبرزها حفريات من منتصف البليستوسين في موقع إيلاندزفونتين (Elandsfontein) بجنوب أفريقيا، وحفريات من العصر البليوسيني المتأخر في منطقة نهر أومو (Omo River) بإثيوبيا.
تحتل L. atlantica موقعاً مهماً في شجرة تطور الفيلة الأفريقية. تشير الأبحاث إلى أنها السلف المحتمل للفيل الأفريقي الحديث (L. africana)، وقد تعايشت معه خلال منتصف العصر البليستوسيني قبل أن تنقرض.
وما زالت العلاقة التطورية الدقيقة موضوعاً للبحث، حيث تشير بعض الدراسات إلى أنها تطورت من نوع منقرض آخر هو Loxodonta adaurora، بينما ترى دراسات أخرى أنها انحدرت من نوع أقدم هو Loxodonta exoptata.
يقسم العلماء هذا النوع إلى نوعين فرعيين رئيسيين:
- Loxodonta atlantica atlantica: الذي عاش في شمال أفريقيا.
- Loxodonta atlantica zulu: الذي عاش في جنوب أفريقيا.
و العينة النموذجية (النمط) لهذا النوع محفوظة في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي (Muséum national d’histoire naturelle) في باريس، وتضم مجموعات المتحف سبع عينات من هذا النوع. وقد وصف هذا النوع لأول مرة عالم الحفريات الفرنسي أوغست بوميل (Auguste Pomel) عام 1879، بعد أن كان يصنف سابقاً ضمن جنس مختلف تحت اسم Elephas atlanticus.
بهذا، يكشف “فيل الأطلس” المنقرض فصلاً مهماً من تاريخ الحياة في أفريقيا، ويؤكد على دور الجزائر كموقع رئيسي لفهم تطور الفيلة في القارة العريقة.

