سيشهد قطاع التجارة الخارجية في الجزائر حزمة إجراءات تنظيمية حاسمة ابتداءً من شهر جويلية 2026، تهدف بشكل رئيسي إلى التصدي لعمليات تهريب العملة الصعبة ومواجهة ظاهرة احتكار السلع التي تضر بالسوق الوطنية.
وقد تقرر فرض رقابة صارمة على المنتجات القابلة للتلف، حيث بات لزاماً على المصدرين تقديم فاتورة موطنة عن العملية السابقة قبل الشروع في أي عملية تصدير جديدة.
وبالتوازي مع ذلك، أقرت السلطات إلغاء الإعفاء من التوطين البنكي للعمليات التي تقل قيمتها عن 100 ألف دينار، وهو إجراء استراتيجي يهدف إلى وضع حد للممارسات الاحتيالية التي تعتمد على تجزئة الصادرات لتجنب الرقابة المالية وضمان التتبع الكامل لعمليات تحويل الأموال.
و في هذا السياق كشف السيد سمير دراجي، المدير العام لترقية الصادرات بوزارة التجارة الخارجية، في لقاء خاص على الإذاعة الجزائرية ، عن حزمة إجراءات تنظيمية “حاسمة” ستدخل حيز التنفيذ بدءاً من 1 جويلية 2026، وذلك في إطار جهود الدولة الرامية إلى تطهير القطاع الاقتصادي، وضمان شفافية التدفقات المالية والسلعية، وتعزيز السيادة الاقتصادية للبلاد.
و أكد دراجي أن الإجراءات الجديدة تأتي استجابةً لتوجيهات السلطات العليا للبلاد، وتهدف إلى سد الثغرات التي كانت تُستغل في التحايل على القوانين. وفي هذا الصدد، أعلن عن ثلاثة قرارات رئيسية تمس قطاع التصدير:
رقابة صارمة على المنتجات القابلة للتلف: لن يُسمح لأي مصدر للمواد الطازجة أو القابلة للتلف بالقيام بعملية تصدير ثانية ما لم يقدم الفاتورة الموطنة (domiciliée) الخاصة بالعملية السابقة. وتهدف هذه الخطوة إلى إنهاء التجاوزات التي كانت تحدث تحت ذريعة طبيعة السلع السريعة التلف.
إلغاء الإعفاء من التوطين: تقرر إلغاء الإعفاء من التوطين البنكي للعمليات التي تقل قيمتها عن 100 ألف دينار. وأوضح دراجي أن التحقيقات كشفت عن ممارسات “تجزئة” متعمدة للصادرات من قبل كبار المصدرين لتفادي التوطين البنكي وتهريب العملة الصعبة للخارج.
مكافحة “الفوترة المنخفضة” (Sous-facturation): بات لزاماً على المتعاملين غير المنتجين (الوسطاء/التجار) الحصول على ترخيص مسبق من المنتج الأصلي قبل كل عملية تصدير، مع تصريح دقيق بالسعر الحقيقي للسلعة، لقطع الطريق على ممارسات تحويل الأموال غير القانونية عبر فروق الأسعار.
على صعيد الاستيراد، أشار المسؤول إلى أن الوزارة تضع حداً لغموض مسارات البضائع المستوردة. فمنذ 1 يوليو، يجب على كل مستورد تقديم “خارطة طريق” مفصلة توضح مسار البضاعة، أماكن تخزينها، وشبكة توزيعها قبل القيام بعملية الاستيراد. كما شدد دراجي على أن الدولة ستتدخل لضبط التوزيع ومنع “الاحتكار المقنّع” الذي كان يمارسه البعض عبر تخزين سلع حيوية (مثل قطع الغيار والموز) أو الامتناع عن استيراد كميات مرخص بها لافتعال ندرة ورفع الأسعار في السوق الوطنية.
كما استعرض اللقاء نجاحات المنتجات الوطنية التي بدأت تفرض وجودها في الأسواق الدولية، خاصة في قطاعات الصناعات الغذائية، الأثاث، والأجهزة الكهرومنزلية. وأكد دراجي أن التوجه العام لدى المتعاملين الاقتصاديين قد تغير؛ حيث تحول العديد من المستوردين السابقين إلى منتجين ومصدرين، مما يعكس نضجاً في السياسة الاقتصادية الوطنية. كما أشار إلى أن جودة المنتج الجزائري “البيو” (الطبيعي) في قطاع الصناعات الغذائية تمنحه ميزة تنافسية كبرى تجعله مطلوباً في الأسواق الخارجية.
دراجي ختم اللقاء بالتأكيد على أن هذه الإجراءات ليست مجرد قيود إدارية، بل هي “هندسة للحوكمة الاقتصادية”. الهدف النهائي، حسب قوله، هو بناء “جزائر مالياً واقتصادياً” جذابة للشركاء الدوليين النزهاء، وتطهير مناخ الأعمال من الممارسات غير القانونية التي كانت تضر بالمال العام وتؤدي إلى تهريب العملة الصعبة. وأضاف أن هذه الإجراءات تمنح الدولة “نظرة شاملة” على الأسواق، مما يضمن التوازن في توزيع السلع عبر كامل التراب الوطني والقضاء على التفاوتات الجهوية في الإمدادات.

