متحف تشابلن…429 “صعلوكاً” يحاولون تحطيم الرقم القياسي

في مشهد احتفالي استثنائي جمع بين السينما والذاكرة الجماعية، شهدت بلدة كورسييه سور فيفيه السويسرية، الأحد الماضي، تجمعاً غير مسبوق لـ429 مؤدياً ارتدوا الزي الشهير لشخصية “الصعلوك” التي ابتكرها الفنان البريطاني الراحل تشارلي تشابلن، وذلك احتفالاً بالذكرى العاشرة لافتتاح متحف “عالم تشابلن” (Chaplin’s World)، المقام في قصر “مانوار دو بان”، آخر منزل عاش فيه أسطورة السينما الصامتة .

اصطف المشاركون أمام القصر التاريخي تحت أشعة الشمس الساطعة، مرتدين القبعات السوداء المستديرة والسترات الداكنة والسراويل الفضفاضة والأحذية الكبيرة، حاملين العصي الرفيعة، في لوحة بصرية أعادت إلى الأذهان صورة “الصعلوك” التي تحولت على مدار أكثر من قرن إلى رمز عالمي للإنسان البسيط المكافح. وشكّل المشاركون، عبر وقوفهم جنباً إلى جنب، رقماً عملاقاً هو “10” على العشب الأخضر أمام القصر، تخليداً للذكرى العشرينية .

كان المنظمون قد وضعوا لأنفسهم هدفاً طموحاً بتجميع ألف مشارك، أملاً في تحطيم الرقم القياسي العالمي لأكبر تجمع لمتشبهين بتشابلن. بيد أن الحضور توقف عند 429 مشاركاً، أي أقل بـ 233 شخصاً من الرقم القياسي المُسجل سابقاً والبالغ 662 مشاركاً، والذي تحقق في المكان نفسه عام 2017، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى للمتحف وعيد ميلاد تشابلن الـ128 .

ورغم عدم تحقيق الهدف، لم يخيم الإحباط على الأجواء الاحتفالية. فقد أكدت الناطقة باسم الحدث، أوليفيا باليغيه، أن الأمر ليس مأساوياً، قائلة: “في الأساس، ليس من السيئ أننا لم نحطم الرقم القياسي، لأنه ملكنا بالفعل”. وأضافت أن الهدف الأساسي كان تنظيم فعالية مجتمعية لتكريم تشابلن ومنح المتحف مزيداً من الظهور الإعلامي .

يكتسب موقع الاحتفال أهمية خاصة، إذ أمضى تشابلن في قصر “مانوار دو بان” آخر 25 عاماً من حياته، بعد انتقاله إلى سويسرا عام 1952 هرباً من الضغوط السياسية التي واجهها في الولايات المتحدة خلال حقبة الحرب الباردة، إثر اتهامات بالتعاطف مع الشيوعية. عاش هناك مع زوجته أونا وأطفالهما الثمانية حتى وفاته عام 1977 عن عمر ناهز 88 عاماً .

وتحول القصر لاحقاً إلى متحف “عالم تشابلن” الذي افتُتح رسمياً في 16 أبريل 2016، الموافق لعيد ميلاد الفنان، ليصبح واحداً من أبرز الوجهات الثقافية المرتبطة بتاريخ السينما العالمية. يمتد المتحف على مساحة 4000 متر مربع مقسمة إلى ثلاثة أقسام، ويضم مقتنيات أصلية، ومجسمات شمعية، وديكورات مُعاد بناؤها تحاكي أشهر أعماله السينمائية .

وعلى مدار عشر سنوات، استقبل المتحف أكثر من مليون ونصف المليون زائر من 70 دولة، ونال عدة جوائز دولية، منها جائزة أفضل متحف في أوروبا عام 2018 .

عبّر المشاركون عن سعادتهم بهذا التجمع الفريد. قال أنتوني شامباي، ممثل فرنسي يبلغ 36 عاماً، يشبه تشابلن إلى حد كبير ويؤدي شخصيته على المسرح: “أنا بصدق أسعد رجل على قيد الحياة. نحن في منزل تشابلن مع أشخاص شغوفين بتشابلن”، مضيفاً أن الفنان الراحل كان يتمنى تشجيع الناس على الحفاظ على روح الطفولة، وكان سيسعده رؤية مئات “الأطفال الكبار” المجتمعين هنا اليوم .

أما أليس كوفمان، التي أحضرت أطفالها الصغار للمشاركة كـ”صعاليك” مصغّرين، فأكدت أن الفعالية كانت “مؤثرة”، واستحضرت القيم الإنسانية التي دافع عنها تشابلن في أفلامه الخالدة مثل “الديكتاتور العظيم”، و”الولد”، و”الأزمنة الحديثة”، قائلة: “لقد دافع عن الحب والاحترام والقيم الجميلة” .

وبينما تتغير أشكال السرد السينمائي وتتطور التقنيات الرقمية، يثبت الاحتفال السويسري أن إرث تشارلي تشابلن لا يزال قادراً على جمع مئات الأشخاص من مختلف الأعمار والجنسيات تحت قبعة “الصعلوك”، في تأكيد جديد على أن الفن الحقيقي يظل قادراً على عبور الزمن والأجيال. ولم يستبعد المنظمون تكرار المحاولة لاحقاً، ربما في الذكرى العشرين للمتحف .

المصدر: وكالات

تابع
في رحاب صناعة المحتوى الإعلامي يقود فاتح لشهب، مدير تحرير موقع “الصحفي”، مسيرة العمل برؤية معاصرة؛ فهو يمزج بين الدقة العلمية في البحث وعمق التحليل، ليطرح رؤى متوازنة تتجاوز التبسيط، ويغني النقاش بمضامين تحفّز القارئ على التأمّل والتدقيق في أكثر قضايا عصرنا تعقيدًا.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً