في عمقِ جبال الجزائر، حيث تهمس الصخور بأسرارٍ لم يجرؤ الزمن على محوها، تقبع مغارة “الفراشيح” كشاهدٍ صامتٍ على واحدة من أكثر لحظات التاريخ البشري قسوةً ووحشية. ففي مثل هذه الأيام من عام 1845، لم تكن النيران التي أشعلها المستعمر الفرنسي عند مداخل الكهف تحرقُ أجساد قبيلة “أولاد رياح” فحسب، بل كانت تحاول حرقَ هوية أمةٍ بأكملها وتدجينَ ذاكرتها.
إنَّ محرقة “أولاد رياح” في الجزائر ليست مجرد رقمٍ في سجلات الضحايا، ولا هي مجرد حادثةٍ عابرة في صفحات حروب الغزو، بل هي “فرنٌ بشري” تجسدت فيه ذروةُ العدمية الاستعمارية، وقصةٌ تتجاوز حدود الزمان لتعيد طرح السؤال الأبدي: كيف يمكنُ للموتِ أن يُرسمَ بهذه الطريقة، وكيف يمكنُ للذكرى أن تظلَّ حيةً رغم محاولات الطمس التي دامت لأكثر من قرنٍ وثمانية عقود؟
في 18 جوان 1845، الذي يوافق اليوم الذكرى الـ 181 لها، وتحت أوامر الجنرال “بيجو”، طوقت قوة استعمارية قوامها 4000 عسكري مغارة “الفراشيح” بنقمارية شرق مستغانم. وبعد فشل المدفعية في اقتحام المغارة التي تحصن بداخلها رجال قبيلة “أولاد رياح” مع عائلاتهم، اتخذ العقيد “بيليسي” قراره الدموي. صبيحة اليوم التالي، وفي موسم الحصاد، أمر جنوده بجمع أطنان من الحشائش والقش وحزم الخشب، ليوصدوا بها المداخل الشمالية والجنوبية، ويحولوا الملاذ إلى محرقة جماعية استمرت ساعات طوال.
لم تكن الرواية الجزائرية هي الوحيدة التي حفظت تفاصيل الجريمة؛ بل إن مذكرات جنود الاحتلال الفرنسي أنفسهم وثقت فظاعة ما حدث. يصف أحد المجندين الإسبان في الجيش الفرنسي مشهداً يقشعر له الأبدان: “رأيت رجلاً ميتاً ركبته في الأرض ويده تشد بكل قوة قرن ثور، تقابله امرأة تحتضن طفلاً، والجميع اختنقوا في مشهد واحد”. التقديرات، حتى تلك التي أوردها ضباط فرنسيون، أشارت إلى ما بين 800 و1000 شهيد، ذابت أجساد العديد منهم لتتحول إلى كومة من اللحم المفحم.
بينما كان “بيليسي” يتنصل من مسؤوليته واصفاً نفسه بـ “رجل الإنسانية” ومحاولاً تبرير جريمته بتعنت الضحايا، كشفت مراسلات العقيد “سانت أرنو” -شريكه في الوحشية- المستور. ففي رسالة لأخيه، لم يكتفِ “سانت أرنو” بتأييد “بيليسي”، بل تباهى بارتكاب محرقة مماثلة ضد قبيلة “السبايح”، معتبراً الكهوف “مقبرة شاسعة” صنعها بنفسه، طالباً من أخيه إخفاء الأمر عن التاريخ الذي كان يدرك تماماً أنه لن يغفر له.
إلى يومنا هذا، تظل مغارة “الفراشيح” ملفاً مفتوحاً من ملفات الذاكرة الوطنية. فبينما استمرت فرنسا الاستعمارية في سياسة “التعتيم والطمس”، يظل صوت شهداء الظهرة أقوى من كل محاولات النسيان. إن ذكرى 18 و19 يونيو ليست مجرد تاريخٍ في الرزنامة، بل هي جرحٌ وطنيٌّ يتجدد، وعهدٌ بأنَّ دماء من أحرقوا أحياءً ستظلُّ وقوداً لوعي الأجيال بحقيقة الاستعمار.
المجد والخلود لشهدائنا الأبرار، والرحمة والرضوان لأرواح ضحايا محرقة الظهرة “أولاد رياح”.
المصدر: الصقحة الرسيمية ولاية مستغانم

