لقد رسم كثيرون الجزائر بالكلمات، ووثقها آخرون بالصور، أما شخصية اليوم فقد رسمت الجزائر بالموسيقى من خلال روائع بقيت خالدة في وجدان الجزائريين؛ فمن منّا لا يحفظ رائعة “من أجلك عشنا يا وطني”؟ ومن منّا لم يرددها في المدرسة، أو في احتفال وطني، أو أمام شاشة التلفزيون وهو يشعر بأن الوطن يمكن أن يتحول إلى لحن؟ ومن منا لا يتذكر اللحن المصاحب لفيلم بوعمامة، فقد أبدع هذا العبقري في صياغة هويتنا الوطنية في نوتات موسيقية، ليصبح صوته امتداداً لذاكرة أمة لا تموت.
خلف تلك الأنغام التي سكنت الوجدان الجزائري لعقود، وقف رجل استثنائي استطاع أن يجعل الموسيقى لغة للانتماء، وأن يحوّل النوتة إلى أداة لبناء الذاكرة الجماعية، إنه الموسيقار شريف قرطبي، أحد أعمدة الموسيقى الجزائرية الحديثة، وصاحب البصمة التي ما تزال حاضرة في الأغنية الوطنية والسينما والإذاعة حتى اليوم.
الموسيقار الشريف قرطبي هو أحد أبرز وجوه الموسيقى الجزائرية، وُلد في 24 فيفري 1935 بمدينة البرواقية. بدأت مسيرته الفنية عصامياً بالعزف على آلة “الفليت” في طفولته، قبل أن ينتقل إلى العاصمة عام 1955 للالتحاق بالمعهد البلدي للموسيقى. تتلمذ على يد كبار الأساتذة مثل عبد الكريم دالي، عبد الرزاق فخارجي، وغيرهم من الأساتذة الأجانب، حيث تعمق في دراسة “السولفاج” والعزف على آلة “الألتو” والكمان. تميز بنبوغه المبكر وإتقانه للتدوين والإملاء الموسيقي.
و ينتمي شريف قرطبي إلى جيل واكب ميلاد الجزائر المستقلة، وأسهم في رسم ملامحها الثقافية والفنية، ففي الوقت الذي كانت فيه الجزائر تبني مؤسساتها، كان الفنانون يساهمون في بناء وجدان الأمة، و قرطبي واحدًا من أبرز هؤلاء، فقد أدرك مبكرًا أن الموسيقى ليست مجرد وسيلة للترفيه، إنّما أداة لحفظ الذاكرة وصناعة الهوية.
داخل أروقة الإذاعة الجزائرية، تدرج قرطبي من عازف إلى قائد أوركسترا وملحن مرموق، ليصبح لاحقًا أحد أبرز الأسماء التي صنعت المشهد الموسيقي الوطني. وتميز بأسلوب جمع بين ثراء التراث الجزائري وقواعد التأليف الموسيقي الحديثة، فكان قادرًا على الانتقال بسلاسة بين الأغنية العاطفية والقصيدة الوطنية والموسيقى التصويرية.
ارتبط اسمه بأعمال خالدة ما تزال حاضرة في ذاكرة الجزائريين، وفي مقدمتها الأنشودة الشهيرة “من أجلك عشنا يا وطني”، التي تحولت إلى واحدة من أكثر الأغاني الوطنية انتشارًا وتأثيرًا. كما ساهم في تلحين أعمال وطنية أخرى جعلت منه أحد أبرز الأصوات الفنية التي رافقت مسيرة الجزائر بعد الاستقلال.
ولم يقتصر عطاؤه على الأغنية الوطنية فحسب، بل تعامل مع نخبة من كبار الفنانين. فقد لحن للفنانة وردة الجزائرية، التي حمل صوتها الجزائر إلى مختلف العواصم العربية، كما تعاون مع سلوى ونادية بن يوسف ومحمد العماري وغيرهم من الأسماء التي صنعت العصر الذهبي للأغنية الجزائرية، وكان معروفًا بقدرته على تطويع اللحن بما يتناسب مع شخصية كل فنان، الأمر الذي منح أعماله تنوعًا وثراءً كبيرين.
أما في عالم السينما، فقد كان حضوره لافتًا أيضًا. إذ وضع الموسيقى التصويرية لعدد من أبرز الأفلام الجزائرية، من بينها “ريح الجنوب”، المقتبس عن رواية الأديب عبد الحميد بن هدوقة، والذي يعد من كلاسيكيات السينما الجزائرية، كما وضع موسيقى فيلم “الشيخ بوعمامة” التاريخي، إلى جانب أعمال أخرى ساهمت في ترسيخ مكانة الموسيقى التصويرية الجزائرية، حيث كان قرطبي يدرك أن الموسيقى في السينما ليست مجرد خلفية للأحداث، بل عنصر أساسي في بناء المعنى. لذلك جاءت ألحانه السينمائية مشبعة بالهوية الجزائرية، وقادرة على مرافقة الصورة دون أن تطغى عليها، وعلى مضاعفة تأثير المشاهد في ذاكرة المتلقي.
في يوم 21 مايو 2010 رحل شريف قرطبي، رحل الموسيقار الجزائري، لكنه ترك إرثاً فنياً يصعب أن يمحوه الزمن. فالأغاني والألحان التي خطّها بأنامله لم تكن مجرد نوتات عابرة، بل كانت نبضاً حياً يترجم حب الوطن وعظمة الذاكرة. لقد غادرنا جسداً، لكن روحه ما زالت تعزف في وجدان الجزائر، لتبقى ألحانه الخالدة شاهدة على عبقريته التي لا تموت.

