شهدت الجزائر خلال العقدين الماضيين تحولاً تدريجياً نحو بناء نظام بيئي داعم لريادة الأعمال والابتكار، كان من أبرز ملامحه تطور منظومة حاضنات الأعمال من مجرد أفكار أولية إلى شبكة واسعة تضم أكثر من 120 حاضنة موزعة عبر ربوع الوطن.
و كان المشهد الريادي في الجزائر قبل عام 2010 شبه خالٍ من هياكل دعم المشاريع الناشئة. كما يصف ياسين رحمون، رجل الأعمال والمسؤول عن مبادرة “الجزائر الناشئة”، فإنه عند تفكيره في العودة من وادي السيليكون إلى الجزائر عام 2008، لم تكن هناك مسابقات لخطط الأعمال، ولا معسكرات تدريبية في الجامعات، ولا مستثمرين ملائكيين، ولا حاضنات أو برامج توجيهية.
شهد عام 2011 نقطة تحول مهمة، حيث أُطلقت أول حاضنة محلية في الجزائر، وهي تجربة Cyberparc في سيدي عبد الله . يعكس هذا المشروع الطموح الإرادة السياسية لبناء مجتمع معلوماتي وتسريع انتقال الجزائر نحو اقتصاد المعرفة . ورغم أن أعداد حاملي المشاريع الملتحقين بهذه الحاضنة ظلت بعيدة عن الأهداف المرسومة، وأن الجانب المالي كان غائباً لصالح التركيز على التكوين، فإنها مثلت خطوة تأسيسية مهمة .
وفي العام نفسه، أسس ياسين رحمون ورفاقه أول برنامج خاص للحاضنات في الجزائر، إلى جانب شبكة المستثمرين الملائكيين “Casbah Business Angels”، مما ساهم في وضع الأسس الأولى للمشهد التقني الناشئ .
طفرة الحاضنات الخاصة في الجزائر (2016-2018)
مع منتصف العقد الثاني من الألفية، بدأت تظهر مبادرات خاصة تعكس تنوعاً في مجالات الابتكار:
2016: تأسس المركز الجزائري لريادة الأعمال الاجتماعية (ACSE)، ليكون رائداً في دعم الحلول المبتكرة للمشاكل الاجتماعية والبيئية في البلاد .
2018: شهد هذا العام حدثين بارزين. الأول، إطلاق “IncubMe”، الذي يُوصف بأنه أول حاضنة خاصة جزائرية، أسسها سبعة مؤسسين متعددي الاختصاصات من عالم ريادة الأعمال، معظمهم من أبناء الجالية الجزائرية بالخارج . والثاني، إطلاق أول حاضنة جزائرية لريادة الأعمال الاجتماعية من قبل ACSE .
القفزة النوعية: الإرادة السياسية والتشريعات (2020-2022)
شكل عام 2020 نقطة تحول جذرية في تاريخ الحاضنات الجزائرية، حيث انتقل الدعم من مبادرات فردية إلى استراتيجية حكومية واضحة. تم استحداث وزارة خاصة مكلفة باقتصاد المعرفة والمؤسسات الناشئة والمؤسسات المصغرة، كما صدر مرسوم تنفيذي أنشأ لجنة متخصصة لمنح علامة “مؤسسة ناشئة” و”حاضنة أعمال” و”مشروع مبتكر” وفق شروط محددة .
لم تقتصر الجهود على الجانب التنظيمي، بل شملت التمويل عبر إنشاء الصندوق الجزائري للمؤسسات الناشئة في أكتوبر 2020، مع التزامات استثمارية تجاوزت 500 مليون دولار لدعم المشاريع الواعدة .
حاضنات اليوم في الجزائر: أرقام قياسية وتحديات
بحلول عام 2025، تجاوز عدد الحاضنات في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي 124 حاضنة، مما جعل الجزائر تحتل المرتبة الأولى عربياً من حيث عدد الحاضنات العمومية والجامعية. وقد تم تحديد أكثر من 5000 رائد أعمال تقني، وتم منح علامة “مؤسسة ناشئة” لأكثر من 1200 شركة .
ورغم هذا الزخم، تواجه المنظومة تحديات حقيقية، أبرزها المركزية الجغرافية حيث تتركز غالبية النشاط في العاصمة والمناطق الوسطى، بينما تعاني المناطق الداخلية والجنوبية من نقص في الدعم . كما أن الفجوة بين الأهداف المعلنة للحاضنات والنتائج المحققة على أرض الواقع لا تزال قائمة، خاصة فيما يتعلق بالتمويل والمواكبة الفعلية للمشاريع .
و يمكن تقسيم مسار تطور حاضنات الأعمال في الجزائر إلى ثلاث مراحل رئيسية: مرحلة التأسيس (2011-2016) مع بدايات متواضعة في سيدي عبد الله وظهور أولى المبادرات الخاصة، مرحلة النمو (2018-2020) مع انطلاق حاضنات خاصة طموحة مثل IncubMe وACSE، وأخيراً مرحلة الطفرة المؤسسية (2020-حتى اليوم) التي قادتها الإرادة السياسية والتشريعات الداعمة، ليتحول المشهد من غياب شبه كامل إلى شبكة واسعة من الحاضنات تجعل الجزائر رائدة عربياً في هذا المجال.

