في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة هيكلة سوق العمل ومواجهة نقص اليد العاملة، أعلنت السلطات الإسبانية عن نتائج مرحلية هامة لحملة تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، حيث كشف وزيرا الدولة لشؤون الهجرة والضمان الاجتماعي عن تلقي أكثر من 609 آلاف طلب لتسوية الوضعية القانونية من أصل 1.17 مليون مهاجر، في إطار حملة العفو الأوسع التي شهدتها البلاد.
ووفقاً للبيانات الرسمية التي قدمتها وزيرة الدولة لشؤون الهجرة، بيلار كانثيلا، ووزير الدولة لشؤون الضمان الاجتماعي، بورخا سواريز، فإن منح تصاريح عمل مؤقتة للمتقدمين أثناء فترة معالجة ملفاتهم قد أحدث اختراقاً كبيراً في قطاعات حساسة.
فو حسب نفس المصدر فقد نجح نحو 160 ألف مهاجر ممن حصلوا على هذه التصاريح في الالتحاق بوظائف رسمية قبل نهاية يونيو الماضي، مما يعني انخراطهم المباشر في دفع اشتراكات الضمان الاجتماعي، وهو ما يعزز خزينة الدولة ويقلص حجم “الاقتصاد الموازي” الذي كان يعتمد لسنوات على عمالة غير محمية.
و حرصت الحكومة الإسبانية على إحاطة هذه العملية بضوابط دقيقة لضمان تحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية. حيث تمنح الحملة تصريح إقامة قابلاً للتجديد لمدة عام للمهاجرين الذين استوفوا الشروط التالية:
- التواجد المسبق: إثبات الإقامة في إسبانيا لمدة لا تقل عن خمسة أشهر قبل نهاية عام 2025.
- الأمانة الأمنية: خلو السجل الجنائي للمتقدم من أي سوابق قضائية.
و أعلنت الحكومة الاسبانية عن تعاون وثيق مع كبريات الشركات في قطاعات البناء، السياحة، النقل، والرعاية، لمساعدة المهاجرين في العثور على وظائف تتناسب مع حاجيات السوق. وتأتي هذه الخطوة في وقت تعاني فيه إسبانيا -كما هو حال معظم دول أوروبا- من تحديات شيخوخة السكان، مما يجعل هذه العمالة المهاجرة رافداً أساسياً لاستمرارية القطاعات الخدمية والإنتاجية.
و يرى مراقبون أن إسبانيا تقدم اليوم نموذجاً عملياً لكيفية التعامل مع ملف الهجرة بعيداً عن الحلول الأمنية الضيقة. فبدلاً من الاكتفاء بسياسات الترحيل، تبنت مدريد مقاربة “المنفعة المتبادلة”؛ حيث يجد المهاجر الحماية القانونية وسبل العيش الكريم، بينما تجد الدولة حلاً لمشكلة نقص اليد العاملة وتُوسع قاعدة المساهمين في نظام الضمان الاجتماعي.
ومع حصول 11 ألف شخص حتى الآن على تصريح إقامة لمدة عام، تتجه الأنظار نحو الأشهر القادمة لتقييم مدى نجاح هذه الحملة في تحويل مئات الآلاف من المهاجرين إلى طاقة منتجة تدعم التعافي الاقتصادي الإسباني في عام 2026.

