في صيف عام 2026، لم تكن مشاهد التدافع على مكيفات الهواء في متاجر أوروبا مجرد فشل في سلسلة التوريد أو نقص عابر في سلعة استهلاكية، بل كانت كاشفاً لسياق أعمق يتعلق بالتحولات الهيكلية التي يشهدها قطاع الطاقة الأوروبي بأكمله.
فمع موجة الحر التاريخية التي ضربت القارة العجوز في جوان وبداية جويلية2026، والتي جعلت 24 جوان اليوم الأكثر حراً منذ بدء التسجيلات المناخية عام 1947، تحولت أزمة التكييف من مجرد نقص في الأجهزة إلى مؤشر سياسي واقتصادي حاد كشف عن توترات بين استراتيجيات الطاقة الوطنية واحتياجات المواطنين الأساسية في جميع أنحاء أوروبا.
ففي ألمانيا، نفدت وحدات التبريد من الأسواق بالكامل وارتفعت أسعارها في السوق الثانوية إلى 1999 يورو مقابل 900 يورو كحد أقصى لسعرها الأصلي، بينما شوهد أكثر من 117 ألف شخص يتصفحون صفحة منتج مكيف واحد في بريطانيا خلال 24 ساعة، وفي إسبانيا امتدت أوقات انتظار تركيب المكيفات من 3 أيام إلى نحو 10 أيام. هذه المشاهد لم تكن مجرد أزمة موسمية عابرة، بل كانت المرآة التي انعكس عليها عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها القارة العجوز في قطاع الطاقة.
من “عملاق الطاقة” إلى المستورد البائس
جوهر الأزمة الأعمق يتعلق بالتحول الجذري في ميزان الطاقة الأوروبي. ففرنسا التي كانت لعقود “عملاقة الطاقة” في أوروبا بفضل أسطولها النووي المكون من 56 مفاعلاً، شهدت في عام 2022 انهياراً دراماتيكياً في الإنتاج النووي، حيث أوقفت شركة EDF مفاعلاتها لمدة إجمالية بلغت 8515 يوماً، بزيادة قدرها 46.5% عن عام 2021، بسبب مشكلة “التآكل تحت الإجهاد” التي اكتشفت في أواخر عام 2021. وبلغ عدد المفاعلات المتوقفة في ذروة الأزمة في أوت 2022 اثنين وثلاثين مفاعلاً من أصل 56، وهي حالة غير مسبوقة، مما أدى إلى انخفاض الإنتاج النووي بنسبة 22.6% ليصل إلى 279 تيراواط في الساعة، وهو أدنى مستوى له منذ 30 عاماً. هذا التراجع قلب موازين التجارة الكهربائية الأوروبية رأساً على عقب، حيث تحولت فرنسا ولأول مرة منذ عام 1980 إلى مستورد صافٍ للكهرباء، مسجلة صافي واردات بلغ 16.5 تيراواط في الساعة.
وقد بلغت واردات الطاقة أسعار فلكية، حيث وصل متوسط سعر الكهرباء الفوري في فرنسا عام 2022 إلى 279.4 يورو لكل ميغاواط في الساعة، وهو مستوى تاريخي، مما جعل فاتورة الواردات تبلغ حوالي 7.3 مليار يورو. وهكذا تحولت الدولة التي كانت تبيع الكهرباء لأوروبا بأسعار تنافسية، إلى مشترية بأسعار مضاعفة، مما أثر بشكل مباشر على تكاليف الطاقة للمواطنين والشركات في جميع أنحاء القارة.
أزمة أوكرانيا: عندما حلّ الغاز الأميركي الباهظ محل الغاز الروسي الرخيص
وأتت الحرب في أوكرانيا لتضاعف الأزمة وتعقد المشهد الأوروبي بالكامل. فقبل عام 2022، كانت أوروبا تعتمد على الغاز الروسي الرخيص نسبياً لتأمين جزء كبير من احتياجاتها الصناعية والمنزلية، حيث كان يمثل نحو 40% من واردات القارة من الغاز الطبيعي. لكن مع اندلاع الحرب، والتحول الأوروبي المفاجئ من الاعتماد على الغاز الروسي إلى البحث عن بدائل آمنة، وجدت الدول الأوروبية نفسها مضطرة إلى تغيير خريطة إمداداتها الطاقوية في أشهر قليلة. كان البديل الأبرز هو الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة، والذي حوّل وجهته من أسواق آسيا إلى أوروبا بنسبة قياسية، فارتفعت صادراته إلى القارة العجوز بنسبة 119% بين عامي 2021 و2022.
لكن هذا التحول السريع جاء بثمن باهظ، إذ انفجرت الأسعار بشكل جنوني، ففي حين كان متوسط سعر الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب يتراوح بين بضع عشرات من الدولارات لكل ألف متر مكعب، قفز سعر الغاز المسال الأميركي في أوروبا إلى مستويات تاريخية، حيث تجاوز في بعض الأحيان 57 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو رقم لم تشهد أسواق الطاقة مثله منذ عقود.
والأكثر إيلاماً بالنسبة لفرنسا ودول كألمانيا، أن أسعار الغاز الأميركي وصلت إلى ذروة عند 20 دولاراً لكل ألف قدم مكعب في نهاية عام 2022، مما جعل فاتورة استيراد الطاقة تضاعف عدة مرات مقارنة بما كانت تدفعه أوروبا قبل الحرب. وهكذا، تحولت أزمة الطاقة الأوروبية من مجرد أزمة إنتاج محلي إلى أزمة استيراد باهظة التكاليف، حيث أصبحت الدول تدفع أسعاراً مضاعفة لتأمين احتياجاتها الأساسية من الغاز والكهرباء، في وقت كانت فيه خزائنها منهكة وموازينها التجارية مختلة.
أزمة التكييف كمرآة لأزمة طاقة أوروبية شاملة
في النهاية، يمكن القول إن أزمة مكيفات الهواء في صيف 2026 لم تكن مجرد نقص في سلعة استهلاكية، بل كانت مؤشراً على عمق التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة الأوروبي بأكمله.
فالقارة التي كانت تعتمد على مزيج من الطاقة النووية والغاز الروسي الرخيص، تجد نفسها اليوم في مواجهة تحديات ثلاث: شيخوخة الأسطول النووي الذي يتجاوز متوسط عمر مفاعلاته 35 عاماً، وتغير المناخ الذي يزيد الطلب على التبريد ويعيق الإنتاج النووي في أوقات الذروة، والتحول الجيوسياسي الذي جعل أسعار الطاقة الأوروبية أكثر تقلباً واعتماداً على واردات الغاز المسال الأميركي الباهظ الثمن.
وقدزكشفت هذه الأزمة عن هشاشة نموذج الطاقة الأوروبي الذي تحول من نموذج قائم على الاكتفاء الذاتي والأسعار المستقرة إلى نموذج يعتمد على الاستيراد الباهظ والتقلبات الجيوسياسية، مما جعل المواطن الأوروبي يدفع ثمناً مضاعفاً لأزمة لم يتسبب فيها، سواء في متاجر التكييف أو في فواتير الطاقة الشهرية.
المصدر: الصحفي

