مشروع رقمنة الموانئ الجزائرية.. نقلة نوعية نحو موانئ ذكية ومتّصلة

تشهد الجزائر تحولاً رقمياً طموحاً في قطاعها المينائي، يهدف إلى تحديث البنى التحتية وإرساء نظام بيئي رقمي متكامل يربط جميع الفاعلين في السلسلة اللوجستية. يجمع هذا المشروع بين منصة رقمية متطورة، ونظام جمركي جديد، واستثمارات ضخمة، ورؤية استراتيجية تمتد حتى عام 2035.

انطلق مشروع رقمنة الموانئ الجزائرية. في 1 جويلية 2021 مع الإطلاق الرسمي لمنصة APCS (Algerian Port Community System)، التي حلت محل المنصة القديمة ECW . صرّح مسؤولو مجمع الخدمات المينائية “سيربور” أن المنصة دخلت حيز الاستغلال في 7 يونيو 2021 في جميع الموانئ الجزائرية . تم تطوير هذه المنصة، التي وُصفت بأنها “محور أساسي في التحول الاقتصادي للجزائر”، بخبرة من البنك الدولي الذي ساهم أيضاً في وضع الإطار القانوني لها .

و تهدف منصة “APCS ” إلى رقمنة الإجراءات وأتمتة العمليات المتعلقة بمرور البضائع في الموانئ، بدءاً من الإعلان عن وصول السفينة حتى تسليم البضائع، مما يضمن تدفقاً أفضل للعمليات ويتجنب حالات الازدحام .

شهد عام 2024 تطوراً حاسماً مع الإعلان عن ربط منصة APCS بنظام الجمارك الجديد ALCES. في 21 سبتمبر 2024، تم التوقيع على بروتوكول تفاهم بين المديرية العامة للجمارك ومجمع “سيربور” لإطلاق عملية الربط بين النظامين . حضر التوقيع وزراء النقل والمالية والفلاحة، مما يعكس الأولوية القصوى التي توليها الدولة لهذا المشروع .

تم إطلاق نظام ALCES في نوفمبر 2023 . وقد حقق هذا النظام نتائج ملموسة في وقت قياسي:

  • عدد التصاريح الجمركية 120,000 نهاية جويلية 2024
  • عدد المتعاملين الاقتصاديين أكثر من 6,000 نهاية جويلية 2024
  • عدد التراخيص الجمركية المفصلة 168,000 سبتمبر 2024
  • عدد ملفات التخليص الجمركي أكثر من 608,000 سبتمبر 2025
  • عدد عناوين العبور الجمركي 1.8 مليون سبتمبر 2025
  • بحلول سبتمبر 2025، تم معالجة أكثر من 608,000 ملف تخليص جمركي و1.8 مليون عنوان عبور عبر النظام . يشمل النظام وحدات متخصصة لمتابعة عمليات الشحن، وتسيير المخاطر، والإقرارات الإلكترونية، والتخليص الإلكتروني، والمحاسبة .

في 12 أكتوبر 2025، أصدر مجمع “سيربور” تعميماً يلزم جميع الوكلاء البحريين والمتعاملين الاقتصاديين بإرسال جميع تصاريح الشحن إلى نظام الجمارك ALCES حصراً عبر منصة APCS، مما أتاح التبادل التلقائي والفوري للبيانات بين الموانئ والجمارك .

تطوير الموانئ الجزائرية…استثمارات واستراتيجيات طموحة (2025-2035)

في خطوة استراتيجية لمواكبة التحول الرقمي وتحديث البنى التحتية المادية، خصص مجمع “سيربور” خلال عام 2025 غلافاً مالياً قدره 29 مليار دينار جزائري وُجه لاقتناء معدات تقنية وتجهيزات مينائية حديثة. ويأتي هذا الاستثمار ليعزز المسار الرقمي المتخذ، حيث تشكل هذه المعدات العصرية دعامة مادية أساسية تضمن فعالية الأنظمة الرقمية المعتمدة وتسرع من وتيرة الخدمات المينائية، لاسيما وأن الجزائر تتوفر على 13 ميناءً تجارياً رئيسياً تلعب دوراً محورياً في حركة التجارة والنقل الدولية، وتتنوع بين موانئ للشحن العام، وأخرى متعددة الأغراض، وموانئ مخصصة للطاقة. ويأتي هذا التطوير في سياق تعزيز الاستغلال الأمثل للشريط الساحلي الذي يمتد على طول 2148 كيلومتراً، وفقاً لآخر الدراسات الرسمية التي أجرتاها وزارة البيئة بالتعاون مع المعهد الوطني للخرائط والكشف عن بعد.

و قد نالت هذه الجهوذ إشادة تقارير البنك الدولي التي أقرت بأن التنويع الاقتصادي في الجزائر أصبح “حقيقة ملموسة”. كما تساهم الأنظمة الرقمية الجديدة في رفع سيولة العمليات عبر تقليص زمن مكوث السفن في الموانئ، مما يقلل بشكل ملموس من غرامات التأخير ويحقق وفراً اقتصادياً يعود بالنفع على الخزينة العمومية.

إلى جانب ذلك، يعد التحول الرقمي وسيلة فعالة لإضفاء الشفافية المطلقة على تسيير الشأن العام المينائي والمساهمة في القضاء على الممارسات البيروقراطية وتسهيل الإجراءات للمتعاملين الاقتصاديين، مع وضع الأمن السيبراني كأولوية قصوى من خلال حماية البيانات والحرص على استمرار تطوير النظم المعلوماتية لضمان سلامة المعلومات وحماية البنية التحتية الرقمية.

.التوجهات المستقبلية: موانئ ذكية ومركز لوجستي إقليمي (آفاق 2035)

تتجاوز الرؤية الجزائرية مجرد الرقمنة، حيث أعلن الرئيس المدير العام لمجمع “سيربور”، عبد الكريم غزال، عن استراتيجية جديدة لتطوير وتسيير الموانئ حتى عام 2035، تهدف إلى بناء موانئ جديدة “فائقة الاتصال، ومنزوعة الكربون، وذكية” .

و اشارت تقارير اعلامية أن غزال أشار أن الاستراتيجية الجديدة تتضمن بناء ميناء مركزي جديد في ولاية بومرداس، وتحديداً في منطقة دلس أو رأس جنات، ليحل محل المشروع السابق في الحمدانية (شرشال) . سيكون هذا الميناء مرتبطاً بالطريق العابر للصحراء وبالخط الحديدي الجديد الرابط بين الجزائر وتمنراست، ليجعل من الجزائر محوراً لوجستياً يخدم خمس دول إفريقية حتى لاغوس .

في إطار هذه الاستراتيجية، يتم توسيع ميناء جن جن (جيجل) ليصبح محوراً متوسطياً رئيسياً، حيث سيتضاعف حجمه الاستيعابي ليصل إلى 2 مليون حاوية مكافئة (EVP) و10 ملايين طن من البضائع، مع غاطس مائي يبلغ 20 متراً لاستقبال السفن العملاقة . وقد بدأت الأشغال في توسعة ميناء عنابة، وتم ربطه بالسكة الحديدية لدعم تصدير الفوسفات .

يمثل مشروع رقمنة الموانئ الجزائرية نقلة نوعية مدعومة بإرادة سياسية واضحة، واستثمارات ضخمة، وتقنيات حديثة. من خلال الربط بين منصة APCS ونظام ALCES، وضعت الجزائر أسساً متينة لبيئة رقمية متكاملة تسهل التجارة وتعزز الشفافية. ومع انطلاق الاستراتيجية الجديدة حتى عام 2035، تطمح الجزائر إلى تحويل موانئها إلى مراكز لوجستية ذكية وتنافسية، تجعل منها بوابة رئيسية للتجارة في المنطقة وفي القارة الإفريقية.

المصدر: الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً