دراسة ألمانية تفكك “وهم” التجارة عبر الأطلسي

في مشهد يعكس تناقضات الاقتصاد العالمي، كشفت دراسة ألمانية أن حجم التجارة السلعية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سجل رقماً قياسياً غير مسبوق خلال العام الماضي، رغم تصاعد التوترات الجمركية والحرب التجارية التي أشعلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن الأرقام الإجمالية، بحسب معهد الاقتصاد الألماني (IW)، تخفي أضراراً جسيمة طالت قطاعات رئيسية، وعلى رأسها صناعة السيارات الأوروبية العريقة.

وفقاً للدراسة التي نشرتها وكالة رويترز، بلغ إجمالي التجارة في السلع بين الجانبين 875 مليار يورو (ما يعادل تريليون دولار تقريباً) في عام 2025. وشهدت صادرات الاتحاد الأوروبي إلى السوق الأميركية ارتفاعاً بنسبة 7.7% لتصل إلى 580 مليار يورو، بينما زادت الواردات من أميركا بنسبة 2.2% إلى 295 مليار يورو، ليصل الفائض التجاري الأوروبي إلى قرابة 285 مليار يورو.

وعلّقت خبيرة الاقتصاد في المعهد، سمينة سلطان، على هذه الأرقام بالقول إن “الانطباع الأولي بأن الرسوم الجمركية والشدائد السياسية لم تؤثر على العلاقات الاقتصادية هو انطباع مضلل”. وأضافت: “هذا الانطباع الأول قد يوحي بأن التعريفات الجمركية لم تؤثر أو حتى عززت العلاقات الاقتصادية عن غير قصد، لكن الحقيقة مختلفة”.

رغم الصورة الإجمالية المشرقة، كشفت الدراسة عن تراجع حاد في صادرات قطاع السيارات، الذي يعتبر العمود الفقري للصناعة الألمانية والأوروبية. ففي عام 2025، انخفضت صادرات الاتحاد الأوروبي من السيارات وقطع الغيار إلى الولايات المتحدة بنسبة 20.4%.

وتصدرت ألمانيا قائمة المتضررين، حيث تمثل وحدها نحو ثلثي (64.9%) صادرات السيارات الأوروبية إلى أميركا، وسجلت انخفاضاً في صادراتها بنسبة 18.9%. ويعكس هذا التراجع التداعيات المباشرة للرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على السيارات المستوردة، والتي وصلت إلى 15% بموجب الاتفاق التجاري بين الطرفين، مع بقاء رسوم إضافية بنسبة 50% على المعادن الأساسية كالصلب والألومنيوم.

في تناقض صارخ، سجلت أيرلندا ارتفاعاً استثنائياً في صادراتها إلى الولايات المتحدة بنسبة 52.7%، مدفوعاً بشكل أساسي بقفزة هائلة في صادرات المنتجات الصيدلانية والكيميائية المعفاة من الرسوم الجمركية بنسبة 130.4%. لكن هذا الاستثناء لا يعكس سلامة القطاع الدوائي الأوروبي، بل على العكس تماماً.

تشير دراسات أخرى إلى أن قطاع الأدوية يعتبر الأكثر تضرراً في حال فرض رسوم جمركية، حيث أنه يمثل خمس صادرات منطقة اليورو السلعية إلى أميركا. وتوقع تقرير صادر عن البنك المركزي النمساوي، بالتعاون مع معهد الاقتصاد الألماني، أن فرض رسوم 15% على المنتجات الدوائية سيؤدي إلى انخفاض في القيمة المضافة لهذا القطاع في منطقة اليورو بنسبة 4.8%، مع تعرض أيرلندا لأسوأ انخفاض يصل إلى 9.8% في قطاع الأدوية تحديداً.

لم تقتصر تداعيات الحرب التجارية على السلع، إذ سجلت تجارة الخدمات عبر الأطلسي رقماً قياسياً أيضاً بلغ 865 مليار يورو، لكن مع مفارقة مهمة: سجل الاتحاد الأوروبي عجزاً في هذا القطاع بلغ 178 مليار يورو. وشكلت رسوم الملكية الفكرية (التي تشمل تراخيص البرمجيات وبراءات الاختراع والعلامات التجارية) أكثر من 40% من واردات الاتحاد الأوروبي من الخدمات الأميركية، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 13.7%، مما يعكس الاعتماد الأوروبي الكبير على التكنولوجيا الأميركية.

كما أثر التوتر التجاري سلباً على السياحة، حيث تراجعت واردات الاتحاد الأوروبي من الخدمات السياحية الأميركية بنحو 8%، وهو ما يُعزى إلى انخفاض أعداد السياح الأوروبيين إلى الولايات المتحدة.

تحمل الحرب التجارية تكاليف بعيدة المدى، حيث تشير تقديرات المفوضية الأوروبية إلى أن اتفاق التعريفات مع ترامب قد يكلف الاتحاد الأوروبي ما بين 135 ألف و450 ألف وظيفة، مع تركيز الخسائر في قطاعات الجملة والآلات والمعدات وتجارة التجزئة والسيارات. وتوقعت دراسات أخرى أن تفقد منطقة اليورو ما يصل إلى 0.5% من قيمة إنتاجها الإجمالي بعد عشر سنوات من تطبيق هذه الرسوم.

خلاصة القول، تقدم دراسة معهد الاقتصاد الألماني صورة “مختلطة” للعلاقات التجارية عبر الأطلسي، حيث يخفي الإجمالي القياسي واقعاً مؤلماً لقطاعات صناعية حيوية، في مشهد يعكس تعقيدات الاقتصاد العالمي في عصر الحروب التجارية.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً