هل حولت انتقادات ترامب “ميلوني” إلى أيقونة للسيادة الأوروبية؟

لم تكن المناوشات الدبلوماسية الأخيرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني مجرد تباين في وجهات النظر، بل كشفت عن ديناميكية جيوسياسية جديدة داخل القارة الأوروبية. فقد أشارت “ذا إندبندنت” في تقرير تحليلي إلى أن محاولات البيت الأبيض لتقويض مكانة ميلوني قد باءت بالفشل، بل أدت إلى نتائج عكسية عززت من تماسك الصف الأوروبي خلفها.

حاول الرئيس الأميركي، عبر استراتيجيته القائمة على “الترهيب الدبلوماسي”، التشكيك في ثبات إيطاليا كحليف استراتيجي، مصوراً ميلوني في موقف “الباحثة عن الاهتمام”. ومع ذلك، قوبل هذا النهج الصدامي برفض أوروبي واسع؛ إذ دفع القادة في القارة العجوز إلى تجاوز خلافاتهم الأيديولوجية مع خلفية حزب ميلوني، والالتفاف حولها كخطوة دفاعية لحماية كرامة الموقف الأوروبي الجماعي.

يرى التقرير أن الشعور بالانحصار بين قطبي التنافس العالمي – واشنطن وبكين – بات يدفع أوروبا نحو “البراغماتية الاستراتيجية”. ولم يعد الدفاع عن المصالح التجارية والخارجية خياراً مبعثراً، بل ضرورة ملحة تتطلب وحدة الصف. في هذا السياق، لم تعد إيطاليا في نظر شركائها مجرد طرف يميني، بل ركيزة أساسية في جبهة أوروبية تحاول استعادة زمام المبادرة.

نجحت ميلوني في استثمار هذا الصدام لتعزيز نفوذها؛ إذ حولت “تحدي ترامب” إلى وسيلة لتقوية تحالفاتها مع قادة القوى الكبرى في أوروبا، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. هذا التقارب أعاد صياغة مكانة ميلوني، لتنتقل من زاوية العزلة الأيديولوجية إلى قلب صناعة القرار الأوروبي.

الأكثر لفتاً للانتباه هو التحول في مواقف التيارات القومية الأوروبية؛ حيث بدأت تبتعد تدريجياً عن نهج ترامب. فمن وصف جوردان بارديلا لترامب بـ “المتقلب”، إلى انتقادات “البديل من أجل ألمانيا” للسياسات الأميركية، يتضح أن نموذج “أميركا أولاً” بدأ يفقد بريقه كمرجعية لليمين الأوروبي، لصالح نزعة “سيادية أوروبية” ترى في واشنطن طرفاً يغلب مصالحه الخاصة على حساب حلفائه.

داخلياً، تجد ميلوني في مواقفها ضد ترامب دعماً شعبياً قوياً، مدعوماً بأرقام “مركز بيو” التي تُظهر انعدام الثقة في ترامب لدى 83% من الإيطاليين. هذا التماهي بين سياسة ميلوني وتوجهات الشارع منحها غطاءً شرعياً يربط بين الدفاع عن “السيادة الوطنية” ورفض السياسات الخارجية الأميركية.

تخلص الصحيفة إلى أن ما نشهده ليس سوى انعكاس لتحول بنيوي في التفكير الأوروبي؛ حيث أدركت العواصم الأوروبية أن الاعتماد الكلي على واشنطن لم يعد استراتيجية آمنة. إن الصدام بين ميلوني وترامب، بظلاله الحالية، يمثل إيذاناً ببدء مرحلة جديدة تعتمد فيها أوروبا على التنسيق الذاتي، متحررة من الارتهان لرؤية البيت الأبيض، ومصرّة على أن يكون لها صوت مسموع في عالمٍ متعدد الأقطاب.

الوسوم:
تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً