التكوين المهني في الجزائر…من الورشات الناشئة إلى قاطرة الاقتصاد

شهد قطاع التكوين المهني في الجزائر منذ الاستقلال عام 1962 تطوراً كمياً ونوعياً لافتاً، تحول خلاله من مجرد إطار لإخراج يد عاملة تقنية إلى رافعة استراتيجية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما تؤكده الأرقام المتراكمة في العقود الأخيرة.

البدايات والتأسيس المؤسسي (1962-1977)

لم تكن البدايات الفعلية للقطاع مجرد إعلان عن وجوده، بل ارتبطت عضويًا بمشروع بناء الدولة الجزائرية الحديثة. ففي عام 1962، تزامن تأسيس وزارة التكوين والتعليم المهنيين مع استعادة السيادة الوطنية، كإعلان عن أولوية تأهيل الإنسان الجزائري.

لكن التنظيم الفعلي للقطاع وهيكلته لم يتخذ منعطفه الحقيقي إلا في عام 1977، حين تم تعيين أول وزير مكلف به، وهو محمد أمير الذي حمل حقيبة العمل والتكوين المهني في حكومة بومدين الرابعة، ليجسد بذلك الانتقال من الفكرة إلى الفعل المؤسسي. هذا التأسيس المبكر وضع حجر الأساس لشبكة من المؤسسات التي ستتوسع لتضم اليوم أكثر من 1.100 مركز ومعهد تكوين موزعة عبر التراب الوطني.

قفزة نوعية في البنية والإحصاءات

لم يقتصر التطور على الجانب المؤسسي، بل امتد ليشمل أعداد المتدربين والتخصصات، حيث سجلت السنوات الأخيرة أرقاماً قياسية تعكس ديناميكية القطاع. ففي سنة 2025 وحدها، تم فتح أكثر من 300 ألف مقعد بيداغوجي جديد تحضيراً للدخول المهني، موزعة بين أنماط التكوين المختلفة: 65.961 مقعداً في نظام التكوين عن طريق التمهين، و45.153 مقعداً في النظام الحضوري، بالإضافة إلى 980 مقعداً في نظام التكوين عن بعد.

وقد ارتفع هذا الرقم ليصل إلى 385 ألف مقعد جديد في دخول أكتوبر 2025، مما رفع العدد الإجمالي للمتدربين إلى 672 ألف متدرب، بانضمامهم إلى 287 ألف متدرب مستمر. وبحسب وزارة القطاع، بلغ عدد الملتحقين الفعليين بمختلف مراكز التكوين في أكتوبر 2025 حوالي 555 ألف متدرب جديد ومستمر. على صعيد الولايات، سجلت الجزائر العاصمة وحدها 14.813 مسجلاً جديداً في 358 مؤسسة تكوينية، تضم 47 مركزاً للتكوين المهني والتمهين، و13 معهداً وطنياً متخصصاً، و291 مدرسة خاصة معتمدة، بإجمالي 29.011 متدرباً و4.468 مؤطراً.

مواءمة التخصصات مع سوق العمل

شهد قطاع التكوين المهني تحولاً استراتيجياً في فلسفته، تمثل في الانتقال من تقديم تكوينات عامة إلى برامج مصممة وفق احتياجات السوق والقطاعات الاقتصادية الواعدة. وقد تم ترجمة ذلك بأرقام واضحة، حيث تم إدخال 32 تخصصاً جديداً في دخول أكتوبر 2025، موزعة بين صناعات إلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، والطاقات المتجددة. ومن بين هذه التخصصات الجديدة التي أعلنت عنها وزارة التكوين: تقني سامي في تحليل البيانات، ومصمم جرافيك ثلاثي الأبعاد للميتافيرس، وتقني في الدعم المعلوماتي وصيانة الحواسيب، والتجارة الإلكترونية، والتسويق الرقمي، ومراقبة جودة الأدوية، والأنظمة الإلكترونية المدمجة.

وقد صاحب هذه الإضافة توجه واضح لتصحيح الخلل في سوق العمل، تمثل في زيادة عدد المتكونين في قطاع الصناعة بنسبة 55%، ورفع عدد المتدربين في قطاع البناء والأشغال العمومية والري بنسبة 35%، مقابل تقليص تدريجي بنسبة 30% لعروض التكوين في تخصصات الإدارة والتسيير التي تعاني من التشبع. ويتماشى هذا التوجه مع استراتيجية القطاع لتعزيز فرص الإدماج المهني، حيث أشارت معطيات حديثة إلى أن معدل البطالة بين خريجي التكوين المهني يقارب 14.6%، وهو معدل أقل من نظيره بين خريجي الجامعات، لكنه يظل مؤشراً على ضرورة استمرار جهود المواءمة بين المهارات المكتسبة واحتياجات السوق الفعلية.

رقمنة الخدمات ودعم ريادة الأعمال

لم يقتصر التحديث على المحتوى البيداغوجي، بل طال أيضاً آليات التسيير والمرافقة، حيث اعتمد القطاع نظام التسجيل الإلكتروني “Zero Papier” عبر منصة رقمية وطنية، إلى جانب إطلاق الإطار الوطني المرجعي للتكوين المهني الذي يهدف إلى توحيد البرامج وتكييفها مع متطلبات الاقتصاد الوطني. ولمواجهة تحديات الإدماج، تم إنشاء أكثر من 180 مركزاً لتنمية ريادة الأعمال داخل المؤسسات التكوينية، بهدف مرافقة الخريجين وتحويلهم من باحثين عن عمل إلى خالقين لمناصب الشغل، مع توفير آليات التمويل والمرافقة اللازمة لمشاريعهم.

المصدر: الصحفي

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً