درس “الدلاع” وضرورة نظام التتبع من الحقل إلى المستهلك

لم تكن موجة الهلع التي أحاطت بفاكهة البطيخ الأحمر، أو ما يُعرف شعبياً بـ “الدلاع”، في السوق الجزائرية سوى عارض سطحي لمرض أعمق يعاني منه مسار التسويق الزراعي؛ ألا وهو غياب الحوكمة الرقمية والرقابية الشاملة لسلسلة الإمداد الغذائي.

وقد أدت هذه الحملة الرقمية التي روّجت ل ‘التسمم المزعوم” بالنتروجين إلى كساد ملحوظ في السوق وخلق حالة من الشك عند المستهلك من سلامة هذه الفاكهة الموسمية، مما ألحق ضرراً مباشراً بالمزارعين والفلاحين وأبرز مجدداً خطورة الشائعات في زعزعة الاستقرار التجاري للمنتوجات المحلية.

وعلى الرغم من مسارعة وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية إلى نفي الإشاعات التي أُثيرت عبر منصات التواصل الاجتماعي، وتكليف مخابر المركز الجزائري لمراقبة النوعية والرزم بإجراء تحاليل مخبرية عاجلة على عينات من البطيخ الأحمر – والتي أثبتت نتائجها سلامة الفاكهة الموسمية – إلا أن هذا التدخل، كشف في الوقت ذاته عن تعامل ظرفي يعالج الأعراض الظاهرة ولا يمس جذور الأزمة التنظيمية.

لقد أظهرت التداعيات السلبية التي خلّفها جدل “الدلاع”  الحاجة الملحة لتسريع إرساء نظام تتبع حقيقي (Traceability\ System) يرافق السلعة خطوة بخطوة من أتون الحقل وحتى مائدة المستهلك.

فما زال سوق الخضار والفواكه في الجزائر يعاني من عشوائية بيّنة في قنوات التوزيع التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى المعايير الدقيقة للفرز، والتخزين، وتحديد المسؤوليات.

وعندما تثار شكوك حول سلامة أي منتوج زراعي، تقف الجهات الرقابية عاجزةً عن تحديد المصدَر بدقة فورية، ليجد الفلاح البسيط نفسه ضحية لغياب الشهادات المعتمدة التي تثبت نظافة مساره الإنتاجي، بينما يعيش المستهلك في دوامة من الشكوك بين ما تنشره المخابر الرسمية وما تعجّ به منصات التواصل.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح من السهل تطوير أنظمة ذكية لتتبع مسار أي منتوج؛ وفق هندسة عملية واضحة ترتكز على:

  • الترميز والرقمنة في الحقل: اعتماد بطاقة مهنية ورقمية لكل فلاح معتمد، مع ترقيم المستثمرات الزراعية وإلزامية توثيق كل عملية رش أو تسميد أو معالجة في سجل إلكتروني مربوط بمنصة وطنية موحدة.

  • المخابر الجهوية المتنقلة والثابتة: نشر نقاط مراقبة جودة مخبرية في أسواق الجملة الكبرى، لتخضع المحاصيل لفحوصات عشوائية ودورية ترصد ترسبات المبيدات والنترات قبل دخولها مسار التجزئة.

  • بطاقة التعريف الرقمية للمنتوج: وضع رمز الاستجابة السريعة (QR\ Code) على صناديق أو أكياس العرض في أسواق التجزئة، بما يُمكّن المستهلك أو الجهات الرقابية من مسحه عبر الهاتف لمعرفة مصدر السلعة، ورقم المزرعة، وتاريخ الجني، وشهادة المطابقة المخبرية.

إن الانتقال إلى هذا النظام الرقمي لتتبع المنتوج ليس ترفاً تنظيمياً، بل هو طوق نجاة للاقتصاد الفلاحي الوطني ووسيلة حاسمة لحماية صورة المنتوج الجزائري، لا سيما في ظل التوجه الطموح نحو توسيع دائرة التصدير نحو الأسواق الخارجية.

فهو من جهة يضمن للمواطن أمنه الصحي والغذائي بيقين علمي غير قابل للتشكيك، ومن جهة أخرى يحصن محاصيلنا المحلية من ضربات الإشاعات وحملات التشويش، ليتحول هذا الجدل العابر إلى فرصة تاريخية لهيكلة سوق طموحة تتوافق والمعايير الدولية للسلامة الغذائية.

قلم يتنقل بين ميادين السياسة، الاقتصاد، بحسّ مرهف وعين فاحصة، ساعياً دوماً لفهم عميق وشامل لقضايا الساعة. يمزج بين الدقة في التحليل والقدرة على تحفيز التفكير النقدي، حيث يقدم للقارئ رؤية موضوعية بعيدًا عن التبسيط، ويسعى لإثراء الحوار وتعميق الفهم حول القضايا الأكثر تعقيدًا في عالمنا المعاصر.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً