كشف تقرير جديد صادر عن صندوق النقد الدولي (IMF) أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع الناتج الاقتصادي لمنطقة أفريقيا جنوب الصحراء بنحو 4% خلال العقد المقبل، شريطة توفر البنية التحتية اللازمة من كهرباء وإنترنت ومهارات رقمية. أما في غياب هذه الإصلاحات، فلن تتجاوز المكاسب 0.2%، وهو ما وصفه الخبراء بأنه “خطأ تقريبي” لا يُذكر .
أعد التقرير، الذي حمل عنوان “إطلاق الإمكانات: الذكاء الاصطناعي في أفريقيا جنوب الصحراء”، فريق من خبراء صندوق النقد الدولي بقيادة مارتن شيندلر، نائب رئيس قسم ورئيس البعثة في إدارة أفريقيا بالصندوق. وأوضح شيندلر أن “التغييرات في السياسات ستكون مفتاحاً لما إذا كان يمكن إطلاق مزيد من النمو عبر الذكاء الاصطناعي”، محذراً من أن العديد من دول المنطقة قد لا تحقق سوى 0.2% من مكاسب الإنتاجية والنمو خلال العقد القادم في حال عدم اتخاذ إجراءات حاسمة، واصفاً هذا الرقم بأنه “في حدود خطأ التقريب” .
وبحسب التقرير، فإن السيناريو المتفائل الذي يرفع الناتج الاقتصادي 4% يتطلب تهيئة الظروف المناسبة لتسريع تبني الذكاء الاصطناعي وتوسيع تأثيره ليشمل ما هو أبعد من الشركات المتصلة رقمياً اليوم. وهذا يعني، بحسب الصندوق، “نحو نصف نقطة مئوية إضافية من النمو سنوياً” .
و يرى صندوق النقد الدولي أن التحدي الأكبر أمام منطقة أفريقيا جنوب الصحراء ليس خطر الاضطراب التكنولوجي، بل القدرة على تبني الذكاء الاصطناعي وتكييفه وتوسيع نطاقه بسرعة كافية للاستفادة من مزاياه وتجنب التخلف عن الركب .
وتشير بيانات الصندوق إلى أن المنطقة تحتل المرتبة الأدنى في مؤشر الجاهزية للذكاء الاصطناعي، متخلفة عن جميع مناطق العالم باستثناء جنوب آسيا . ويعود ذلك إلى فجوات واضحة في:
البنية الرقمية: نحو نصف سكان المنطقة يفتقرون إلى كهرباء موثوقة، وتكبد الشركات خسائر تعادل 8.4% من مبيعاتها السنوية بسبب انقطاع التيار الكهربائي المتكرر . كما أن 78% من الشركات تعاني من انقطاعات منتظمة في التيار الكهربائي .
الاتصال بالإنترنت: فقط 38% من الأفارقة استخدموا الإنترنت في عام 2024، مقارنة بـ68% عالمياً .
المهارات الرقمية: أقل من ربع طلاب التعليم العالي في المنطقة مسجلون في برامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM) .
ويعلق أندرو تيفين، المشارك في كتابة التقرير، على ذلك قائلاً: “من الصعب تحقيق أي شيء بدون كهرباء”، مشيراً إلى أن وصول الذكاء الاصطناعي أضاف بعداً جديداً لتحدي الطاقة في أفريقيا، حيث يمكن لمراكز البيانات أن تصبح مشاريع استثمارية قابلة للتمويل تساعد في تسريع جهود الكهرباء .
يرى التقرير أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي في أفريقيا لا تكمن في استبدال العمال، بل في تعزيز الإنتاجية عبر الاقتصاد . ويبرز قطاع الزراعة كأحد المجالات الأكثر وعداً، حيث يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي تقديم نصائح عملية ومنخفضة التكلفة للمزارعين حول مواعيد الزراعة، كميات الأسمدة، مكافحة الآفات، والتكيف مع الصدمات المناخية .
وفي التعليم، أشار التقرير إلى أن برامج تجريبية في نيجيريا أظهرت أن الدروس الخصوصية عبر chatbots يمكن أن تحقق مكاسب تعليمية كبيرة . كما يمكن للذكاء الاصطناعي تحسين خدمات الرعاية الصحية من خلال دعم التشخيص والفرز الطبي، وتعزيز كفاءة الإدارة الضريبية كما جرى في كينيا وجنوب أفريقيا .
رغم التحديات، بدأت الاستثمارات في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تكتسب زخماً في القارة. فشركتا مايكروسوفت وG42 أعلنتا عن استثمار مليار دولار لإنشاء مجمع لمراكز البيانات في كينيا بقدرة 100 ميغاواط، يعمل بالطاقة الحرارية الأرضية. كما أبرمت كاسافا تكنولوجيز وNVIDIA صفقة بقيمة 700 مليون دولار لنشر 12 ألف وحدة معالجة رسومية (GPU) في جنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا ومصر والمغرب .
لكن التقرير حذر من أن أفريقيا تضم حالياً نحو 160 مركز بيانات فقط، أي ما نسبته 5.5% من الإجمالي العالمي، مع تركيز ما يقرب من النصف في جنوب أفريقيا ونيجيريا وكينيا، مما قد يؤدي إلى تفاقم الفوارق الإقليمية إذا استمر تركيز استثمارات الذكاء الاصطناعي في الأسواق نفسها .
يخلص صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد قضية تكنولوجية، بل هو “محور استراتيجية النمو في المنطقة” . ويحدد التقرير أولويتين رئيسيتين للحكومات:
بناء أسس الاعتماد الواسع للذكاء الاصطناعي من خلال توسيع إمدادات الكهرباء، والبنية التحتية للنطاق العريض، وتعزيز المهارات الرقمية، ودعم البنية التحتية الإقليمية للبيانات .
بناء الثقة العامة من خلال وضع قواعد عملية بشأن البيانات، والمنافسة، وحماية المستهلك، والأمن السيبراني، مع تعزيز التعاون الإقليمي لأن العديد من الاقتصادات الأفريقية صغيرة جداً بحيث لا يمكنها بناء أنظمة بيئية للذكاء الاصطناعي بمفردها .
ويختتم التقرير بالقول إن “النافذة ضيقة. خلال العقد القادم، سيجد الشباب الأفريقي المتنامي إما وظائف أكثر إنتاجية، أو سيشاهدون فجوة الإنتاجية العالمية تتسع أكثر. النتيجة لن تتشكل في وادي السيليكون، بل في الخيارات التي تتخذها الحكومات والمدارس والمزارع والشركات من داكار إلى دار السلام” .



