المبادرة العُمانية لإدارة مضيق هرمز: تفاصيل الخطة والمواقف المتقاطعة

في تطور دبلوماسي لافت، برزت سلطنة عُمان كوسيط رئيسي في أزمة مضيق هرمز، حاملةً مبادرة تهدف إلى إيجاد حل توافقي يضمن استمرار حركة الملاحة في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، وسط تعقيدات جيوسياسية وقانونية كبيرة، ومواقف متباينة بين طهران من جهة ودول الخليج والغرب من جهة أخرى.

تعتمد المبادرة العُمانية على نموذج مستوحى من تجربة مضيق ملقا في آسيا، حيث تدير إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة الممر المائي بشكل مشترك، وتسعى الخطة إلى إنشاء آلية إقليمية مشتركة لإدارة المضيق، بحيث لا تنفرد إيران بالسيطرة عليه، مع اقتراح إنشاء تحالف إقليمي يشرف على الأمن البحري، وينسق عمليات البحث والإنقاذ، ويعزز أشكال التعاون الإقليمي الأخرى. ويتضمن المقترح أيضاً نظاماً للرسوم الطوعية، حيث تدفع سفن الشحن رسوماً اختيارية (وليست إلزامية) تُخصص لتمويل خدمات الملاحة وحماية البيئة وعمليات البحث والإنقاذ، وهي آلية شبهها دبلوماسي غربي بـ”ضريبة الكربون الطوعية” على الرحلات الجوية، حيث يمكن للمسافر اختيار دفع مبلغ إضافي لتعويض انبعاثات الكربون.

لكن إيران، في المقابل، تمسكت بموقف أكثر تشدداً، حيث قدمت مقترحاً مضاداً لسلطنة عُمان يتضمن سيطرة أكبر على ممرات العبور، وقد أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي بشكل قاطع أن “مضيق هرمز لن يعود أبداً إلى ترتيبات ما قبل الحرب”، معتبراً أن ذلك “سياسة دولة نهائية”، وأكدت طهران أنها لن تقبل أي صيغة أخرى، وأن المضيق سيظل مغلقاً إذا رفضت مسقط المقترح الإيراني. وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في أن إيران تطالب بأن يكون ممر عبور واحد تحت سيطرتها بالكامل، مع سيطرة جزئية على الممر الآخر، بينما تدعو عُمان إلى تقسيم متساوٍ بنسبة 50% لكل دولة، كما ترفض إيران نظام تقسيم المرور المعتمد دولياً من المنظمة البحرية الدولية لأنه يقع في المياه العُمانية، وتصر على رسوم إلزامية بدلاً من الطوعية، مع رفضها الاعتراف بالمسار الجنوبي القريب من الساحل العُماني، معتبرةً إياه انتهاكاً لسيادتها.

على الصعيد القانوني، أكدت المنظمة البحرية الدولية أنها لم تشارك في المناقشات، وأن أي اقتراح بشأن مسارات ملاحية جديدة يجب أن يُعرض على الدول الأعضاء للنظر فيه، كما أن الممرات الملاحية الدولية المعتمدة من المنظمة في المضيق منذ عام 1968 غير صالحة حالياً للاستخدام بسبب الألغام الإيرانية. وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على أن الدول المشاطئة لا يمكنها فرض رسوم لمجرد السماح بالعبور، لكن يمكنها فرض رسوم محدودة مقابل خدمات معينة، مع الإشارة إلى أن الولايات المتحدة وإيران ليستا من الموقعين على الاتفاقية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد القانوني.

أما على المستوى الإقليمي، فتحظى المبادرة بدعم من دول مجلس التعاون الخليجي، حيث عقد وزراء خارجيتها اجتماعاً عبر الفيديو لمناقشة تطورات الأزمة وسبل تعزيز التعاون لضمان سلامة السفن، في حين رفضت إيران خطة أمريكية قدمها الرئيس ترامب لدفع تعويضات الأضرار من الأصول الإيرانية المجمدة، كما حذرت طهران من أن أي سفن أو معدات بحرية أوروبية تقترب من المضيق بذريعة إزالة الألغام ستصبح أهدافاً عسكرية مشروعة، في تصعيد يزيد من حدة التوتر في المنطقة. وفي تصريح متصل، أشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إلى أن المحادثات بين البلدين كانت “إيجابية وأحرزت تقدماً معيناً”، وأن المشاورات على المستويين التقني والسياسي مستمرة، لكن ذلك لم يمنع الجانب الإيراني من التهديد بمنع مرور أي دولة أو شركة تقبل تعويضات من الأصول الإيرانية المجمدة مقابل أضرار السفن.

تبقى المبادرة العُمانية في مرحلة المفاوضات، مع تباين واضح في المواقف بين الطرفين، فبينما تسعى عُمان ودول الخليج إلى حل توافقي يضمن حرية الملاحة، تتمسك إيران بموقف يمنحها سيطرة أكبر على الممر المائي، وتظل الأسواق العالمية في حالة ترقب، خاصة وأن المضيق ينقل نحو خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال. ويشير إصرار طهران على أن المضيق “لن يعود إلى وضعه السابق” إلى أن أي اتفاق مستقبلي سيعيد تشكيل التوازنات الإقليمية في واحدة من أهم النقاط الاستراتيجية في العالم، مع ما لذلك من تداعيات على أمن الطاقة العالمي وأسعار النفط، التي شهدت تقلبات حادة خلال الأزمة، حيث ارتفعت الأسعار بأكثر من دولارين للبرميل في تعاملات الأربعاء بدعم من تراجع المخزونات الأمريكية، قبل أن تعاود الانخفاض بسبب تعقيدات المشهد الجيوسياسي في منطقة الخليج.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً