شهدت أسعار الغاز في أوروبا قفزة حادة خلال شهر جويلية 2026، مسجلة أعلى مستوياتها منذ مارس الماضي، في مشهد أعاد إلى الأذهان كابوس أزمة الطاقة التي عصفت بالقارة قبل أعوام.
فوفقاً للبيانات المتداولة، قفز سعر عقود TTF الهولندية، وهو المؤشر الرئيسي للغاز في أوروبا، من حوالي 45 يورو لكل ميجاواط في جوان إلى ما يتجاوز 62 يورو في جويلية، محققاً زيادة شهرية تجاوزت 30%، في أقوى وتيرة صعود منذ بداية الربيع. وبالمقارنة السنوية، ارتفع متوسط السعر إلى حوالي 637 دولاراً لكل ألف متر مكعب، أي بزيادة 50% عن جويلية 2025، فيما تجاوز السعر حاجز 700 دولار في منتصف الشهر.
ويعود هذا الصعود الحاد إلى تداخل عدة عوامل، كان في مقدمتها تجدد الصراع العسكري في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز، بعد القصف الأمريكي على إيران في 8 يوليو، مما أدى إلى تعطل الملاحة البحرية في هذا الممر الحيوي الذي تمر عبره نحو خمس إمدادات الغاز المسال العالمية، وأوقف عملياً شحنات الغاز القطري إلى أوروبا، حيث أعلنت الدوحة حالة القوة القاهرة التي قد تستمر حتى منتصف أكتوبر.
وجاءت هذه الصدمة في وقت كانت فيه مخزونات الغاز الأوروبية في أدنى مستوياتها منذ سنوات، إذ لم تتجاوز نسبة الملء 54% في منتصف يوليو، مقابل 65% في الفترة نفسها من العام الماضي، وبفجوة تخزينية تصل إلى 68 مليار متر مكعب عن الهدف المطلوب قبل الشتاء، مع معدلات حقن هي الأدنى منذ 2011.
تفاقمت الأزمة أيضاً بفعل المنافسة الشرسة مع الأسواق الآسيوية على شحنات الغاز المسال النادرة، مما دفع المصدرين الأمريكيين إلى توجيه شحناتهم نحو آسيا حيث الأسعار الأعلى، ورفع تكاليف التأمين والشحن في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، ضربت موجة حر غير موسمية وسط وجنوب أوروبا، مما زاد الطلب على الكهرباء لأغراض التبريد، وأجبر فرنسا على خفض إنتاج محطاتها النووية، ما رفع الاعتماد على محطات الغاز. وتتجلى تداعيات هذه القفزة في تحذيرات اقتصادية من انكماش الناتج المحلي لدول أوروبية كبرى، إلى جانب مخاوف من عودة التضخم مما قد يدفع البنوك المركزية للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، في وقت يخشى فيه المحللون من شتاء قد يكون الأصعب على القارة منذ أزمة 2022، خصوصاً إذا استمر إغلاق المضيق، رغم توقعات بعض النماذج بقدرة أوروبا على بلوغ أهداف التخزين بحلول نوفمبر إذا ما تحسنت الأوضاع.

