تقرير لـ RT…لماذا تستحضر واشنطن الحرب العالمية الثانية لتهديد إيران ؟

تطرق تقرير لوكالة RT الروسية لاستدعاء الولايات المتحدة للحرب العالمية الثانية في سياق مواجهتها مع إيران، مسلطاً الضوء على التحول النوعي في الخطاب الأمريكي الذي بات يستحضر أحد أكثر الفصول دموية في التاريخ البشري لتبرير سياسة تصعيدية غير مسبوقة تجاه طهران. فقد عادت عبارة “الحرب العالمية الثانية” لتتصدر الخطاب الرسمي الأمريكي على لسان الرئيس دونالد ترامب ووزير حربه بيت هيغسيث، وهذا التكرار المتعمد على مستوى القيادة العليا لم يأت من فراغ، بل بدا رسالة محسوبة الأبعاد تحمل تهديداً نفسياً وسياسياً يتجاوز حدود المواجهة التقليدية.

وأشار التقرير إلى أن وزير الحرب الأمريكي كتب في بيان مقتضب نشره عبر حسابه على منصة “إكس” أن “وزارة الحرب لا تزال جاهزة بمستويات لم نشهدها منذ الحرب العالمية الثانية، والجيش مستعد تماماً”، مؤكداً أن قرار تأجيل الضربة العسكرية ضد إيران لم يؤثر على الجاهزية العسكرية بأي شكل من الأشكال.

أما الرئيس ترامب، فقد كشف أنه تلقى طلبات مباشرة من السعودية والإمارات وقطر، إضافة إلى رسائل من الجانب الإيراني، تدعوه إلى إفساح المجال أمام المسار الدبلوماسي، غير أنه لم يفوّت الفرصة لإبراز حجم العملية التي كانت قيد الإعداد، قائلاً إن الهجوم “كان سيصبح الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية”، ومؤكداً أن القوات الأمريكية كانت على أهبة الاستعداد لتنفيذ ضربات كانت ستتواصل تباعاً لو صدر القرار النهائي بالتحرك.

ووفقاً للتقرير، فقد قارن ترامب الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية بالقنبلتين الذريتين اللتين ألقيتا على هيروشيما وناغازاكي، وقال إن “تلك الضربات كانت مدمرة للغاية، وفي الواقع، إذا نظرتم إلى هيروشيما أو ناغازاكي، كما تعلمون، فإن ذلك أنهى الحرب أيضاً”، كما نشر رسمًا بيانيًا قارن فيه ما أسماه “الرحلة الإيرانية” التي استمرت 6 أسابيع، مع حرب أفغانستان التي استمرت 543 أسبوعاً، والعراق 457 أسبوعاً، وفيتنام 439 أسبوعاً، والحرب العالمية الثانية 196 أسبوعاً، لكن التقرير أشار إلى أن هذه الأرقام احتوت على أخطاء إحصائية، حيث إن مدة الحرب الإيرانية وقت نشر المخطط بلغت 9.5 أسابيع وليس 6، كما أن حربي فيتنام وأفغانستان استمرتا نحو 20 عاماً أي أكثر من 1000 أسبوع، وليس كما ورد في المخطط.

ويرى التقرير أن استحضار حقبة الحرب العالمية الثانية في سياق المواجهة مع إيران يحمل أبعاداً متعددة، أولها رسالة ردع نفسي وسياسي تهدف إلى إظهار التفوق العسكري المطلق للولايات المتحدة والقوة النارية التي قد تتجاوز بكثير الضربات المحدودة التي اعتادت إيران تلقيها في محطات سابقة، فعندما يستحضر ترامب وهيجسيث هذه المقارنة التاريخية، فإنهما يهدفان إلى إيهام طهران بأن أي مواجهة مقبلة لن تكون مجرد تبادل للضربات الجوية المحدودة، بل حرباً شاملة قد تطال عمق الدولة الإيرانية وتنهي قدرتها على المواجهة، وهذا النوع من الردع النفسي يعكس رؤية ترامب للعالم التي تنظر إلى الأعداء كوجوديين وتعتبر القوة الحاسمة هي الطريق إلى الأمن.

وثانيها، التلويح بضربات سريعة وقاصمة، حيث تحمل هذه التهديدات ذات الطابع “العالمي” إشارة واضحة إلى أن واشنطن لا تسعى وراء حرب استنزاف طويلة الأمد، بل تنوي توجيه ضربات ساحقة وسريعة تضع حداً فورياً للمواجهة، ويستحضر هذا المنطق السيناريو الذي أنهت به الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية في المحيط الهادئ، حين وجهت ضربتين نوويتين استراتيجيتين إلى هيروشيما وناغازاكي في أغسطس 1945، مما أجبر اليابان على الاستسلام غير المشروط خلال أيام، وهو ما يفسر مقارنة ترامب المتعمدة بين الضربات المحتملة على إيران والقصف الذري لليابان، وكأنه يرسل رسالة مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام كل ما تملك من قوة لإنهاء الصراع بسرعة.

وثالثها، رفع سقف الضغط التفاوضي، حيث يأتي هذا الخطاب في سياق محاولات أمريكية حثيثة لدفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية في ملفها النووي وبرامجها الصاروخية، عبر إيهامها بأن البديل عن طاولة المفاوضات قد يكون مدمراً إلى حد لا يمكن تصوره، فالتهديد بقدرة الجيش الأمريكي كما كانت في تلك الحقبة لا يشير بالضرورة إلى نية استخدام أسلحة التدمير الشامل، لكنه يحمل رسالة مفادها أن واشنطن تمتلك القدرة على توجيه ضربة قاضية قد تعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة بأكمله. ورابعها، تبرير الحرب للداخل الأمريكي، حيث يستخدم ترامب مقارنات الحرب العالمية الثانية لتبرير الحرب الإيرانية أمام الرأي العام الأمريكي، خصوصاً مع تراجع شعبيته إلى ما دون 40% ومعارضة الحرب حتى داخل الحزب الجمهوري.

وفي مقابل هذا الخطاب الأمريكي، أشار التقرير إلى أن مسؤولين إيرانيين كبار اتهموا واشنطن بتبني “عقلية هتلر”، حيث صرّح علي أكبر ولايتي، المستشار الأعلى للمرشد الإيراني، بأن “سلوك ترامب يذكرنا بتصرفات هتلر في بداية الحرب العالمية الثانية”، مضيفاً أن “كما هتلر أخاف القوى الغربية حتى استسلمت في 1939، سلك ترامب طريقاً خطيراً مماثلاً لن ينتهي بشكل جيد له أو لحلفائه”، كما اتهم المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي المسؤولين الأمريكيين الذين يستحضرون أحداثاً تاريخية لتبرير عدوانهم بأنهم يتبنون عقلية نازية وفاشية تشبه تلك التي استخدمها هتلر وموسوليني لتبرير غزواتهم.

وخلص التقرير إلى أن استحضار الحرب العالمية الثانية ليس مجرد استعارة عابرة، بل هو جزء من استراتيجية متكاملة تهدف إلى خلق حالة من الترقب والرعب لدى الخصم، مع إبقاء الباب موارباً أمام حل دبلوماسي، غير أنه حذر من أن هذا الخطاب الذي يستحضر منطق الحرب الشاملة قد يدفع الأطراف نحو حسابات خاطئة، خاصة في ظل غياب تحالف دولي متماسك على غرار ما كان عليه الحال في أربعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أن هناك تناقضاً جوهرياً في النهج الأمريكي، حيث تستحضر واشنطن حرباً شاملة لكنها تعمل ضمن قيود حرب محدودة، وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا الاستحضار يمثل مقدمة فعلية لعمل عسكري غير مسبوق، أم أنه يندرج ضمن استراتيجية الضغط الأقصى التي اعتمدها ترامب في ولايته الأولى وواصلها في ولايته الحالية. وخلص تحليل في مجلة Newsweek إلى أن “خطر التشبيه التاريخي ليس فقط أنه غير دقيق، بل أنه قد يدفع السياسة الأمريكية نحو نموذج من الصراع ينتمي إلى قرن مختلف تماماً”.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً