التجاوزات الإعلامية في الجزائر…بين غياب الضوابط واستغلال الألم

يعيش المشهد الإعلامي الجزائري حالة من التناقض الواضح بين التعددية الإعلامية التي انطلقت رسميًا عام 1990، وبين غياب الأطر القانونية والأخلاقية الكافية لضبط الممارسة الصحفية.

هذا الفراغ الأخلاقي خلق بيئة تسهلت فيها التجاوزات، وتحولت فيها معاناة الضحايا وأهاليهم في بعض الأحيان إلى مادة إعلامية مثيرة للجدل.

ورغم إقرار قانون الإعلام 23-19  الذي نص على ضرورة إنشاء مجلس أعلى لآداب وأخلاقيات المهنة، فإن هذا المجلس لم يُنصّب فعليًا، تاركًا الصحافة الجزائرية في منطقة رمادية بين قوانين الإعلام (90-07 و12-05) ومواثيق أخلاقيات المهنة لعام 2000 وقانون العقوبات . هذه الفجوة التشريعية جعلت معالجة الانحرافات الصحفية إشكالية .

و تُعد قضية اختطاف الطفلة نهال من أبرز الحالات التي كشفت التجاوزات الإعلامية في الجزائر. فقد نبّهت سلطة ضبط السمعي البصري إلى وجود انحرافات في معالجة القضية، داعية إلى الامتثال للقواعد المهنية واحترام القوانين المحلية والدولية المتعلقة بحماية الطفل .

ومن أبرز التجاوزات المسجلة في هذه القضية:

  • نشر أخبار غير مؤكدة: تداولت بعض الوسائل أخبارًا عن العثور على الطفلة ميتة قبل أيام من الإعلان الرسمي، مما أضر بنفسية العائلة .
  • كشف معلومات سرية: نشرت وسائل الإعلام تفاصيل من التحقيق كان من الممكن أن تعرقل عمل الأجهزة الأمنية أو تساعد الجاني .
  • انتهاك الخصوصية: تم نشر معلومات عن الحياة الخاصة لأسرة الطفلة دون مراعاة للخصوصية .
  • خطابات تحريضية: دعت بعض الخطابات الإعلامية إلى إنزال أشد العقوبات بالجاني حتى قبل التأكد من سلامة الطفلة، مما قد يعرض حياتها للخطر .

و يتكرر النمط ذاته في تغطية الحوادث المأساوية، حيث تتحول معاناة الضحايا وعائلاتهم إلى محتوى إعلامي يستهلك عبر الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي. ففي حادث انقلاب الحافلة بولاية بومرداس الذي أودى بحياة 27 شخصًا وإصابة العشرات، تم تداول صور ومقاطع فيديو للحادثة على نطاق واسع ، في مشهد يتكرر مع كل كارثة، وسط انتقادات متزايدة لما يُسمى بـ”صحافة المآسي”.

و يرى بعض الخبراء أن الصحافة الجزائرية تعيش “حالة من الفوضى في المجال المهني”، مما خلق حالة من التسيب في ضبط احترام أخلاقيات المهنة، إضافة إلى عدم اهتمام المؤسسات الصحفية بتكوين مستمر لصحفييها في مجال استقصاء الخبر . حيث تحولت بعض وسائل الإعلام لمنصات “إثارة” على حساب الدقة والموضوعية .

و لمعالجة هذه التجاوزات، يمكن التفكير في:

  • تفعيل المجلس الأعلى لأخلاقيات المهنة: بما يضمن رقابة مهنية غير حكومية تحمي كرامة الصحفيين والمجتمع معًا.
  • التكوين المستمر: تطوير برامج تدريبية للصحفيين في مجال التعامل الحساس مع قضايا الأطفال والضحايا والكوارث .
  • التنسيق بين المؤسسات: بناء جسور تواصل بين الأجهزة الأمنية والإعلام لنشر المعلومات المؤكدة وتجنب الشائعات.

تعكس التجاوزات الإعلامية في الجزائر أزمة بنيوية تتعلق بغياب الأطر الأخلاقية الراسخة، وسعي بعض الوسائل لتحقيق نسب مشاهدة على حساب كرامة الضحايا وحق الجمهور في معلومات دقيقة وموضوعية.

إن معالجة هذه الأزمة تتطلب جهدًا مشتركًا من الدولة والمؤسسات الإعلامية ونقابات الصحفيين، لوضع حد لتحويل معاناة الناس إلى “مادة مربحة” واستعادة الثقة في السلطة الرابعة كرسالة إنسانية قبل أن تكون صناعة إعلامية.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
قلم يتنقل بين ميادين السياسة، الاقتصاد، بحسّ مرهف وعين فاحصة، ساعياً دوماً لفهم عميق وشامل لقضايا الساعة. يمزج بين الدقة في التحليل والقدرة على تحفيز التفكير النقدي، حيث يقدم للقارئ رؤية موضوعية بعيدًا عن التبسيط، ويسعى لإثراء الحوار وتعميق الفهم حول القضايا الأكثر تعقيدًا في عالمنا المعاصر.
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً