الجزائر تختار الإنجليزية.. عمار تو يقرأ القرار من زاوية المصلحة الوطنية والتحولات العالمية

تطرق مقال لموقع “أوراس” إلى القرار الذي اتخذته وزارة التربية الوطنية القاضي بتدريس اللغة الإنجليزية في السنة الثالثة من التعليم الابتدائي، وتأجيل تدريس اللغة الفرنسية إلى السنة الرابعة ابتداءً من الموسم الدراسي 2026-2027، معتبراً أن هذا القرار أعاد فتح النقاش حول مستقبل السياسة اللغوية في الجزائر، في ظل تباين الآراء بين من يراه إصلاحاً تربوياً يستجيب للتحولات العالمية، ومن يقرأ فيه أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود المدرسة إلى صميم خيارات الدولة في علاقتها باللغات الأجنبية.

وقد وقف المقال عند قراءة مطولة قدّمها السياسي ووزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق عمار تو، انطلاقاً من تجربته في قطاعي التربية والتعليم العالي، ومن مشاركته في إعداد السياسات العمومية، حيث شدد على أن فهم هذا التحول لا يمكن أن ينفصل عن المسار التاريخي للسياسة اللغوية في الجزائر، ولا عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم في مجالات المعرفة والاقتصاد والتكنولوجيا.

ويرى عمار تو، وفقاً للمقال، أن إدراج اللغة الإنجليزية في السنة الثالثة ابتدائي، مقابل تأجيل الفرنسية إلى السنة الرابعة، لا ينبغي تفسيره على أنه إقصاء مباشر للغة الفرنسية، بل هو إعادة ترتيب لأولويات الجزائر في مجال اللغات الأجنبية، بما يتماشى مع مصالحها الاستراتيجية وحاجتها إلى الاندماج في الاقتصاد العالمي والوصول المباشر إلى مصادر العلوم والتكنولوجيا الحديثة. ويؤكد الوزير السابق أن القرار يرسخ شكلاً من التعايش بين اللغتين داخل المنظومة التربوية، غير أن هذا التعايش سيكون في صالح اللغة الإنجليزية وعلى حساب الفرنسية على المديين المتوسط والبعيد، باعتبار أن الإنجليزية أصبحت لغة البحث العلمي والاقتصاد الرقمي والتواصل الدولي، وهو ما يفرض على الجزائر التكيف مع هذه التحولات.

ويتوقف المقال عند نظرة باريس إلى هذا التحول، حيث يرى عمار تو أن فرنسا تنظر إليه بوصفه بداية نهاية الهيمنة التقليدية للغة الفرنسية في الجزائر على المدى المتوسط والطويل، خاصة مع انتقال الإنجليزية إلى مرحلة مبكرة من التعليم الابتدائي، وهو ما يمنحها أفضلية في التكوين اللغوي للأجيال الجديدة. ويضيف أن هذا القرار يأتي أيضاً في سياق التوترات السياسية والإعلامية التي شهدتها العلاقات الجزائرية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من حملات تضليل وادعاءات حول الجزائر من قبل اليمين المتطرف، وهو ما جعل السلطات الجزائرية تتجه أكثر نحو خيارات تنطلق من المصلحة الوطنية بعيداً عن أي اعتبارات تاريخية أو ضغوط خارجية.

ورغم حديثه عن صعود الإنجليزية، يوضح الوزير السابق، وفقاً للمقال، أن الفرنسية لن تختفي من المدرسة الجزائرية، بل ستواصل حضورها كلغة أجنبية، غير أنها ستفقد تدريجياً المكانة التي احتلتها لعقود باعتبارها اللغة الأجنبية الأولى. ويعتبر أن هذا التحول يمثل تطوراً طبيعياً ينسجم مع التغيرات التي يعرفها العالم، حيث أصبحت الإنجليزية اللغة الأكثر استخداماً في مجالات البحث العلمي والابتكار والتكنولوجيا والاستثمار، فيما لم يعد استمرار الاعتماد الواسع على الفرنسية في بعض الإدارات والهيئات الاقتصادية يجد مبرراته، خاصة بعد عقود من تعريب التكوين الجامعي وتخرج أجيال من الإطارات التي تلقت تعليمها باللغة العربية، بالتوازي مع توسع استخدام الإنجليزية في العلاقات الاقتصادية والمالية الدولية.

ويشير المقال إلى أن عمار تو يرى في هذا القرار تخليصاً للجزائر من عائق كان يعيق تطورها الشامل، معتبراً أن المتعاونين مع فرنسا، سواء عن جهل أو كعملاء للمستعمر السابق، لن يتوانوا عن الدفاع عن أنفسهم من أجل بقائهم، بهدف فرض لغة على الجزائر عفا عليها الزمن أصلاً على أراضيها، لغة شوهت أصولها بطبيعتها، ونمت تاريخياً بالقوة العسكرية والقوانين والمراسيم، وبالابتزاز الاقتصادي ما بعد الاستعماري.

ويؤكد المقال أن التحول نحو اللغة الإنجليزية لا يقتصر على المدرسة الابتدائية، بل يندرج ضمن رؤية أشمل شرعت الجزائر في تجسيدها منذ سنوات، تقوم على تعزيز حضور هذه اللغة في التعليم العالي، وربطها بالتخصصات العلمية والتكنولوجية، باعتبارها لغة الإنتاج المعرفي والبحث العلمي في العالم. ويرى عمار تو أن هذا المسار ينسجم مع حاجة البلاد إلى امتلاك أدوات الاندماج في الاقتصاد العالمي، والوصول المباشر إلى أحدث الابتكارات العلمية والتكنولوجية، بعيداً عن الوسائط اللغوية التي قد تعيق هذا الانفتاح، مشيراً إلى أن الجامعات الجزائرية شرعت تدريجياً في تدريس عدد من التخصصات العلمية باللغة الإنجليزية، بعد إطلاق برامج تكوين لفائدة الأساتذة والباحثين، قبل أن يمتد هذا التوجه إلى تخصصات الطب والصيدلة وطب الأسنان، معتبراً أن هذه الخطوات تؤكد أن الدولة لا تتعامل مع الإنجليزية كخيار ظرفي، بل كجزء من استراتيجية بعيدة المدى لإعادة تموقع الجامعة الجزائرية في الفضاء الأكاديمي الدولي.

وفي المقابل، يشدد عمار تو، وفقاً للمقال، على أن هذا الانفتاح على الإنجليزية لا يأتي على حساب اللغة العربية، بل يعتبره مكملاً لمسار استعادة العربية لمكانتها الطبيعية كلغة وطنية ورسمية في الإدارة والتعليم ومختلف مؤسسات الدولة، إذ يرى أن غالبية الإطارات والموظفين الجزائريين أصبحوا أكثر ارتياحاً للعمل باللغة العربية، بالنظر إلى أن تكوينهم الجامعي تم بها منذ عقود، وهو ما يجعل استمرار الاعتماد على الفرنسية في العديد من الإدارات والوثائق الإدارية أمراً لم تعد تفرضه أي ضرورة عملية، خاصة في ظل تسارع وتيرة الرقمنة التي تتيح توحيد لغة الخدمات والإجراءات الرسمية. ويستدل في هذا السياق بعدد من المؤسسات التي نجحت في تعميم استعمال العربية، على غرار قطاع العدالة، والمؤسسة العسكرية والدرك الوطني والأمن الوطني، إضافة إلى الإدارات المحلية، معتبراً أن هذه النماذج تثبت أن الانتقال الكامل إلى اللغة الرسمية للدولة ممكن متى توفرت الإرادة والانسجام في تنفيذ السياسات العمومية.

ورغم دفاعه عن توسيع استخدام الإنجليزية، يرفض الوزير السابق، كما يورد المقال، تصوير الأمر على أنه دعوة لإقصاء اللغة الفرنسية أو محو حضورها من الجزائر، مؤكداً أنها ستبقى لغة أجنبية مهمة، لكن ضمن موقع جديد يختلف عن المكانة التي احتلتها لعقود، حيث ستواصل أداء أدوار مرتبطة بالعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، خاصة مع الدول الإفريقية الناطقة بها، كما ستظل لغة تواصل مع جزء واسع من أفراد الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج، ولا سيما في فرنسا، إلا أنها لن تستعيد موقعها كلغة أجنبية أولى داخل المنظومة التعليمية الجزائرية. ويضيف أن هذا التوازن يسمح بالحفاظ على البعد النفعي للفرنسية دون أن تتحول إلى عائق أمام انفتاح الجزائر على اللغات الأكثر حضوراً في مجالات العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي، مؤكداً أن المصلحة الوطنية هي المعيار الذي ينبغي أن يحكم خيارات الدولة في المجال اللغوي، بعيداً عن أي اعتبارات إيديولوجية أو ضغوط خارجية.

ويخلص المقال إلى أن عمار تو يرى في السياسة اللغوية التي تتبناها الجزائر اليوم رؤية سيادية تقوم على خدمة المصالح الوطنية، من خلال منح اللغة الإنجليزية مكانة اللغة الأجنبية الأولى، مع الحفاظ على الفرنسية كلغة أجنبية ثانية، واستكمال مسار ترسيخ العربية كلغة الدولة والإدارة والتعليم، وهو توجه من شأنه، بحسب الوزير السابق، أن يمنح الجزائر قدرة أكبر على الاندماج في الاقتصاد العالمي، والاستفادة المباشرة من التطورات العلمية والتكنولوجية، مع المحافظة في الوقت نفسه على توازنها اللغوي والثقافي، بعيداً عن أي تبعية أو ارتهان لإرث الماضي.

ويختتم المقال قراءة عمار تو بالتأكيد على أن مستقبل الجزائر اللغوي ينبغي أن يُبنى على البراغماتية وخدمة التنمية الوطنية، لا على الاعتبارات العاطفية أو الصراعات التاريخية، معتبراً أن تعزيز حضور الإنجليزية، وإعادة الاعتبار للعربية، والإبقاء على الفرنسية في إطارها الوظيفي كلغة أجنبية، يمثل معادلة متوازنة من شأنها مواكبة التحولات العالمية، وتمكين الأجيال القادمة من أدوات المعرفة والتنافس في عالم يتغير بوتيرة متسارعة، مع الحفاظ على ثوابت الدولة وهويتها الوطنية.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً