صناعة المحتوى الرقمي.. الصين تشدد القوانين

شهدت صناعة المحتوى الرقمي في الصين تحولاً جذرياً خلال السنوات الأخيرة، حيث لم تعد مجرد “وظيفة العاطلين عن العمل” كما كان يُنظر إليها سابقاً، بل أصبحت بموجب القوانين واللوائح الجديدة ممارسة مهنية تخضع لمسؤولية قانونية صارمة، وتتطلب من صانع المحتوى إلماماً عميقاً بما ينتجه من مواد إعلامية، في تجسيد لتحول نوعي في مفهوم الإبداع الرقمي في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ويأتي هذا التطور في سياق جهود الحكومة الصينية لتنظيم الفضاء الإلكتروني وضمان جودة المحتوى المنتشر عبر المنصات الرقمية، حيث أطلقت حملات واسعة لمكافحة المحتوى غير القانوني والمضلل، إذ تم خلال ستة أشهر فقط فرض عقوبات على 98 ألف حساب من حسابات “الزيميتي” (وسائل الإعلام الذاتية) التي كانت تقدم معلومات وأخباراً دون الكشف عن مصادرها، إلى جانب حذف أكثر من 708 آلاف مادة من المحتوى الزائف المنتج بالذكاء الاصطناعي خلال حملة تنظيف البيئة الإلكترونية في عطلة رأس السنة القمرية.

وشمل التنظيم الجديد قطاع الأفلام القصيرة المنتجة بالذكاء الاصطناعي، حيث أصدرت الحكومة المركزية لوائح تلزم جميع المنتجين باستكمال إجراءات التسجيل والترخيص قبل النشر، مع فرض إزالة أي أعمال غير مسجلة من جميع المنصات، كما وضعت شنغهاي ثماني سياسات تهدف إلى تعزيز إنتاج أفلام قصيرة عالية الجودة بالذكاء الاصطناعي، وتشديد الإدارة من الإنتاج إلى التوزيع، مع توفير دعم مالي يصل إلى 3 ملايين يوان للمشاريع المطورة في مجال أدوات الذكاء الاصطناعي ونماذج الإبداع، إلى جانب آلية مراجعة سريعة تُعرف بـ”2+5″ لاختصار وقت معالجة طلبات الإنتاج.

وفي خطوة لتعزيز الشفافية، أصدر مكتب لجنة الفضاء الإلكتروني المركزي الصيني توجيهاً يلزم منصات الإنترنت بتوحيد وضع العلامات على المحتوى في الفيديوهات القصيرة، حيث يجب على صانعي المحتوى الإفصاح بشكل إلزامي قبل النشر عما إذا كانت المواد تحتوي على عناصر خيالية أو محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي، مع توفير قائمة من الفئات الإلزامية تشمل “محتوى خيالي أو درامي”، و”محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي”، و”معلومات تسويقية”. وتأتي هذه الإجراءات في وقت ارتفع فيه عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي في الصين إلى 515 مليون مستخدم بحلول يونيو 2025، بزيادة 266 مليوناً عن ديسمبر 2024، أي ما يقارب الضعف في ستة أشهر فقط.

وعلى صعيد تنظيم وكالات المحتوى المتعددة القنوات، أصدرت خمس جهات حكومية صينية في مايو 2026 لوائح إدارية بشأن خدمات توزيع المحتوى عبر القنوات المتعددة على الإنترنت، والتي ستدخل حيز التنفيذ في أول سبتمبر 2026، وتُلزم الوكالات بتسجيل كياناتها التجارية والحصول على التراخيص الإدارية اللازمة، كما تلزم المنصات بإبرام اتفاقيات مع هذه الوكالات وعرض أسمائها بشكل بارز على صفحات حسابات المستخدمين التابعين لها، مع منع تقديم خدمات البث المباشر للقاصرين دون السادسة عشرة.

وتعكس هذه التشريعات المتتالية رؤية صينية واضحة لصناعة المحتوى كقطاع استراتيجي يخضع لقواعد قانونية ومسؤوليات مجتمعية، حيث لم يعد الإبداع الرقمي فضاءً مفتوحاً بلا ضوابط، بل أصبح مهنة منظمة تتطلب من ممارسيها ليس فقط الإبداع والإتقان التقني، بل أيضاً الوعي القانوني والمسؤولية المجتمعية، بما يضمن جودة المحتوى المنتشر ويحمي المجتمع من التضليل والمعلومات المغلوطة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على ديناميكية الابتكار في هذا القطاع الحيوي.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً