أعلنت مجموعة الشحن الدنماركية “ميرسك”، اليوم الاثنين، استئناف خدمة جديدة لنقل الحاويات للإبحار عبر البحر الأحمر وقناة السويس، في خطوة تعكس تحسناً تدريجياً في الأوضاع الأمنية بالمنطقة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وتتعلق الخدمة الجديدة، ضمن شبكة “جيميني” بالشراكة مع شركة هاباغ-لويد الألمانية، بالخدمة AE19 التي تربط آسيا والبحر الأبيض المتوسط والمملكة العربية السعودية وأوروبا، والتي كانت تسير سابقاً عبر طريق رأس الرجاء الصالح الأطول. وستكون السفينة Berlin Maersk أول من يسير عبر المسار الجديد في رحلتها الغربية والشرقية، حيث يبدأ تطبيق هذا التغيير الهيكلي فوراً.
ويمتد مسار الخدمة الجديد ليشمل شينغانغ – تشينغداو – بوسان – نينغبو – شنغهاي – تانجونغ بيلياباس – جدة – قناة السويس – بورسعيد – طنجة – بورسعيد – قناة السويس – جدة – سنغافورة – شينغانغ، مما يعيد ربط الموانئ الآسيوية الكبرى بالأسواق الأوروبية عبر أقصر طريق بحري.
وتأتي هذه الخطوة في إطار عودة تدريجية وحذرة لشركة ميرسك إلى ممر قناة السويس، بعد أن تخلى معظم مقدمي الخدمات البحرية عن هذا الممر بسبب هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، مما أجبر السفن على سلوك الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح في أفريقيا. وقد بدأت ميرسك الاختبارات الفعلية لعودة هذا الممر منذ ديسمبر 2025، حيث نجحت سفينتا Maersk Sebarok في ديسمبر 2025 وMaersk Denver في يناير 2026 في عبور قناة السويس، غير أن العودة كانت مؤقتة حيث علقت ميرسك جميع عمليات العبور مرة أخرى في نهاية فبراير بعد تجدد الأعمال العدائية.
وتمثل العودة إلى ممر قناة السويس تحسناً كبيراً في زمن الرحلات، حيث أعلنت ميرسك في يوليو أن خدمة MECL التي تربط الشرق الأوسط بالساحل الشرقي للولايات المتحدة، والتي أعادت توجيهها عبر قناة السويس، ستشهد تحسناً في أوقات العبور بمعدل 7 أيام في الرحلات الغربية و14 يوماً في الرحلات الشرقية، مما يقلص التكاليف التشغيلية ويسرع وصول البضائع إلى الأسواق.
وتجدر الإشارة إلى أن أزمة الشحن في البحر الأحمر اندلعت في أواخر عام 2023، حيث شنت ميليشيا الحوثي في اليمن هجمات على السفن التجارية، مما أجبر شركات الشحن العالمية الكبرى على التحويل بشكل واسع إلى طريق رأس الرجاء الصالح. ومنذ أكتوبر 2023، هاجم الحوثيون أكثر من 100 سفينة تجارية، مما أدى إلى غرق أو احتجاز عدة سفن وإصابة بحارة، وتسبب في خسائر فادحة لقطاع الشحن العالمي وارتفاع تكاليف التأمين والنقل.
وبدأ الوضع يتحسن بشكل ملحوظ بعد وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025، حيث لم يتم الإبلاغ عن أي هجمات جديدة في البحر الأحمر منذ ذلك الحين، مما شجع شركات الشحن على استئناف عبور القناة تدريجياً. وقد توقعت هيئة قناة السويس عودة حركة المرور إلى المستويات الطبيعية في النصف الثاني من عام 2026، وهو ما يتماشى مع التحركات الحالية لميرسك وغيرها من شركات الشحن الكبرى.
رغم التفاؤل الذي تثيره هذه العودة التدريجية، لا تزال هناك تحديات تعوق العودة الكاملة، أبرزها ارتفاع أقساط التأمين على المخاطر الحربية وبوالص التأمين على البدن، مما يقيد قرارات مالكي السفن. كما برز عامل مزعزع جديد في المنطقة، حيث تتصاعد أزمة مضيق هرمز بين الولايات المتحدة وإيران، مما يلقي بظلاله على عودة ميرسك للبحر الأحمر وقد يدفع الشركات إلى التريث قبل استعادة كامل عملياتها عبر القناة. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت هيئة قناة السويس عن زيادة الرسوم الإضافية على السفن العابرة اعتباراً من 15 يوليو 2026، حيث ارتفعت الرسوم المؤقتة على سفن البضائع الجافة من 10% إلى 22%، مما يرفع التكاليف على شركات الشحن.
وتؤكد ميرسك باستمرار أن هذه العودة لا تعني الاستعادة الكاملة لعمليات طريق قناة السويس، فالشركة تتبع نهجاً تدريجياً وخطوة بخطوة، وتشير إلى أنها ستواصل مراقبة الوضع الأمني عن كثب، ولديها خطط طوارئ لتحويل السفن الفردية أو الخدمة الأوسع مرة أخرى حول رأس الرجاء الصالح إذا تدهورت الظروف. وتعكس هذه الاستراتيجية الحذرة حرص الشركة على تأمين أصولها وطواقمها وبضائعها، مع الاستفادة من الفرص التي تتيحها القناة في تقليل زمن الرحلات وتكاليف التشغيل.
ويُعد هذا التطور مؤشراً إيجابياً على عودة الاستقرار التدريجي إلى أحد أهم الممرات المائية في العالم، والذي يستحوذ على نحو 12% من التجارة البحرية العالمية. ومن المتوقع أن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من شركات الشحن استئناف عبور قناة السويس، في حال استمرار الهدنة وتراجع المخاطر الأمنية، مما يسهم في استعادة حركة التجارة العالمية إلى طبيعتها وتخفيف الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية التي عانت كثيراً خلال السنوات الماضية.
المصدر: وكالات أنباء

