هل تعيد الإمارات تأهيل صورتها في إفريقيا أم تواصل استراتيجيتها المدمرة ؟

في غضون أيام معدودة، تحركت الدبلوماسية الإماراتية على جبهتين إفريقيتين، إذ قدّمت التعازي للنيجر في ضحايا حادث مأساوي، ووجّهت التهاني لرئيس تشاد بمناسبة ذكرى استقلال بلاده. ورغم الطابع البروتوكولي الذي يغلب على هذه الخطوات، إلا أنها تحمل في جوهرها رسائل استراتيجية تتجاوز المجاملات الدبلوماسية، لا سيما في ظل ما تواتر من تقارير صحفية وأكاديمية تربط الإمارات بدور مثير للجدل في القارة، حيث باتت تُتهم بالوقوف خلف تمويل جماعات مسلحة، وتغذية الصراعات، والانخراط في استنزاف الثروات الطبيعية الأفريقية، في صورة تُقرّبها من كونها “طرف وكيل” “PROXY” لأجندات استعمارية جديدة في المنطقة.

تتركز الاتهامات الأكثر خطورة ضد الإمارات في السودان، حيث تشير تحقيقات أكاديمية وصحفية إلى أن أبوظبي تقدم دعماً عسكرياً ومالياً لقوات الدعم السريع، وهي القوات المتهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة في الحرب الدائرة منذ أبريل 2023. وتناقش دراسة أكاديمية نشرتها مجلة “Communication, Culture and Critique” كيف أن الإمارات تستثمر بكثافة في قوتها الناعمة “لتلميع سمعتها” في الوقت الذي تساهم فيه في خلق “أسوأ أزمة إنسانية في العالم” في السودان .

وتذهب الاتهامات إلى أبعد من ذلك، فقد رفعت الحكومة السودانية دعوى قضائية ضد الإمارات في محكمة العدل الدولية في مارس 2025، متهمة إياها بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية من خلال دعمها لقوات الدعم السريع . كما تقدمت بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي تطالب فيها باتخاذ إجراءات عاجلة لوقف ما وصفته بـ”العدوان الإماراتي” .

في مواجهة هذه الاتهامات، يبدو أن الإمارات انخرطت في حملة منظمة لإعادة تأهيل صورتها. فوفقاً لتحقيق نشرته وكالة “برس تي في” نقلاً عن بي بي سي، تم رصد شبكة واسعة تضم أكثر من 100 حساب وهمي على منصات التواصل الاجتماعي، استخدمت صوراً مسروقة لنساء صوماليات وشخصيات مؤثرة لنشر محتوى مؤيد للإمارات ومدافع عن قوات الدعم السريع في السودان . هذه الشبكة نشرت أكثر من 47 ألف منشور بين يناير 2023 وسبتمبر 2025، استهدفت ملايين المستخدمين في منطقة شرق إفريقيا .

وتتضمن استراتيجية التلميع وفقاً للتقارير عدة محاور: الترويج للسردية الإنسانية من خلال تكثيف التقارير عن المساعدات الإماراتية، وإعادة تقديم قوات الدعم السريع كقوة وطنية من خلال نشر فيديوهات لمقاتليها يتحدثون عن الوطنية والقضية الفلسطينية، وتوظيف مؤثري وسائل التواصل الاجتماعي لنشر رسائل تدافع عن الإمارات وتتهم منتقديها بالحسد، فضلاً عن توظيف شركات علاقات عامة في الغرب لنشر تقارير تصور الإمارات كوسيط سلام تتعرض لظلم إعلامي .

لا تقتصر الاتهامات على السودان، بل تمتد لتشمل دوراً أوسع لمسؤولين إماراتيين في زعزعة استقرار المنطقة. فتقارير تتحدث عن دور الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن الوطني الإماراتي، بصفته “مهندس الفوضى” في العالم العربي والإفريقي، من خلال تمويل أمراء الحرب والمرتزقة وإذكاء الصراعات في دول المنطقة . وتشير هذه التقارير إلى أن الاستراتيجية الإماراتية تهدف إلى تحقيق أهداف اقتصادية وسياسية عبر السيطرة على الموارد الطبيعية وإضعاف الدول القومية .

وفي هذا السياق، اتُهمت شخصيات سياسية أوروبية بالتواطؤ في تبييض دور الإمارات، حيث تشير تقارير إلى أن نائبة هولندية في البرلمان الأوروبي، إنغبورغ تير لاك، قادت جهوداً لحذف كل الإشارات إلى الإمارات من قرار للبرلمان حول السودان، بعد ضغوط من مسؤولة إماراتية، وهو ما يعكس نفوذ الإمارات حتى في أروقة صنع القرار الأوروبي .

في هذا السياق، يمكن قراءة التحركات الإماراتية الأخيرة تجاه النيجر وتشاد في ضوء هذا الصراع على السمعة والتأثير. فمع استمرار الاتهامات المتعلقة بدورها في السودان، وارتباط اسمها بتهريب الذهب والألماس من أفريقيا، تسعى الإمارات إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي في القارة، وتقديم نفسها كدولة مانحة وشريك موثوق. إلا أن هذه المساعي تتصادم مع سجل متهم بالتورط في إطالة أمد الصراعات واستنزاف ثروات القارة، مما يجعل مهمة تلميع الصورة تبدو وكأنها معركة مستمرة بين الدبلوماسية العلنية والحقائق الميدانية والتقارير الاستقصائية.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً