الين على حافة الهاوية ؟ صراع الرؤى بين واشنطن وطوكيو

في تطور لافت للعلاقات الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم، يهدد خلاف حاد في الرؤى بين وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ورئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايشي جهود البلدين المشتركة لدعم العملة اليابانية، وسط تباين جذري حول سرعة رفع بنك اليابان لأسعار الفائدة، في مشهد يعكس تعقيدات السياسة النقدية في زمن التضخم العالمي.

ذشهد الين الياباني تقلبات حادة خلال العامين الماضيين، حيث انخفض إلى مستويات تاريخية تجاوزت 160 ينًا للدولار الواحد في صيف عام 2024، قبل أن يحقق انتعاشاً نسبياً بعد سلسلة من التدخلات الرسمية. وفي يونيو 2026، رفع بنك اليابان سعر الفائدة إلى 1% لأول مرة منذ سنوات، وهي خطوة وصفت بأنها جزء من استجابة للضغوط التي مارسها بيسنت والأسواق المالية. لكن العملة ظلت عند مستويات متدنية قياساً بمتوسطاتها التاريخية، وهو ما يثير قلق طوكيو وواشنطن على حد سواء.

ذكشفت تقديرات رسمية أن اليابان أنفقت حوالي 63.7 مليار دولار خلال أسبوعين فقط في مايو 2026، في إطار حملة تدخل مشترك مع الولايات المتحدة لشراء الين ودعم قيمته، وهي خطوة وصفت بأنها الشكل المكتمل للتحالف النقدي بين البلدين. ويمثل هذا الرقم أكثر من ثلاثة أضعاف ما أنفقته اليابان في تدخلاتها السابقة خلال عام 2022، مما يعكس حجم القلق لدى الحكومة اليابانية من استمرار انهيار العملة وتداعياته على الاقتصاد المحلي.

ذارتبط ضعف الين بارتفاع حاد في تكاليف الواردات، خاصة في قطاع الطاقة، حيث تستورد اليابان نحو 90% من احتياجاتها من النفط والغاز. وقد أدى ذلك إلى موجة تضخمية طالت السلع الأساسية والمواد الغذائية، مما أثقل كاهل الأسر اليابانية التي تعاني أصلاً من تراجع الأجور الحقيقية في ظل معدلات نمو اقتصادي لا تتجاوز 0.5% سنوياً. ويشير المحللون إلى أن استمرار ضعف الين يكلف الأسرة اليابانية المتوسطة ما يعادل 1000 دولار إضافية سنوياً في فواتير الغذاء والطاقة.

ذمنذ توليه منصبه، يمارس بيسنت ضغوطاً مكثفة على المسؤولين اليابانيين لرفع أسعار الفائدة، معتبراً أن ذلك هو الحل الأكثر فعالية وديمومة لدعم الين مقارنة بالتدخل المباشر في أسواق الصرف. وفي تصريحات أدلى بها الشهر الماضي، وصف وزير الخزانة الأميركي ضعف الين بأنه يشكل خطراً ليس على اليابان فقط، بل على استقرار العملات الآسيوية الأخرى مثل الوون الكوري واليوان الصيني، محذراً من أن استمراره قد يؤدي إلى أزمة مالية إقليمية مشابهة لأزمة 1997.

لكن رئيسة الوزراء اليابانية تبدي تخوفاً مغايراً، إذ ترى أن رفع الفائدة بسرعة قد يخنق الانتعاش الاقتصادي الهش الذي بدأت تظهر بوادره. وتشير البيانات إلى أن الدين العام الياباني يتجاوز 260% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الأعلى بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مما يجعل أي زيادة في أسعار الفائدة مكلفة للغاية لموازنة الدولة التي تدفع بالفعل نحو 30% من إيراداتها لخدمة الدين.

ذيُعرب بيسنت عن قلقه من استمرار اليابان في بيع سندات الخزانة الأميركية، التي تمتلك منها نحو 1.1 تريليون دولار، لتمويل تدخلاتها في سوق الصرف. فهو يخشى أن تؤدي هذه المبيعات إلى دفع عوائد السندات الأميركية للارتفاع، مما يزيد تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة ويعقّد جهود الاحتياطي الفيدرالي في كبح التضخم. وتُقدّر حسابات وزارة الخزانة أن كل انخفاض بنسبة 10% في الين يدفع اليابان لبيع سندات أميركية بقيمة 20 مليار دولار، مما يخلق حلقة مفرغة تهدد استقرار الأسواق المالية العالمية.

ذتشير تقديرات اقتصادية إلى الفجوة بين الرؤيتين تتسع تدريجياً. فبينما يتوقع بيسنت أن يرفع بنك اليابان الفائدة إلى 1.5% بنهاية 2026، تتحدث التسريبات عن أن خطة تاكايشي الداخلية لا تتجاوز 1.25%. ورغم أن الفارق قد يبدو ضئيلاً، إلا أنه يعكس اختلافاً استراتيجياً عميقاً في تقييم المخاطر وتوزيع الأولويات بين تشجيع النمو وكبح التضخم.

ذوعلى الرغم من هذا التباين، نجح الجانبان في تنفيذ تدخلات مشتركة غير مسبوقة لدعم الين، وحظيت هذه الجهود بفهم واشنطن، إذ صرّح بيسنت بأن الجانبين يتفقان على أن التقلبات المفرطة للعملة غير مرغوب فيها. كما أن تاكايشي، التي عُرفت بموقفها الحمائمي (المائل للتيسير النقدي) بدأت تُظهر مرونة تدريجية تحت ضغوط الأسواق، وهو ما تجسّد في رفع الفائدة إلى 1% في يونيو الماضي، وهي الخطوة التي فسّرها المراقبون على أنها تنازل ضمني للضغوط الأميركية.

ذيبقى مستقبل العملة اليابانية مرهوناً بقدرة الطرفين على إيجاد أرضية مشتركة تجمع بين رغبة واشنطن في تشديد نقدي أسرع لوقف نزيف الين، وحرص طوكيو على عدم التضحية بمعجزة التعافي الاقتصادي الهشة التي بدأت تلوح في الأفق. وتشير التوقعات إلى أن الحل قد يكمن في تقديم تنازلات تدريجية من الجانب الياباني، قد تصل برفع الفائدة إلى 1.25% بحلول منتصف 2027، في مقابل تفهم أميركي أوسع للصعوبات الداخلية التي تواجهها الحكومة اليابانية، واستمرار التنسيق في تدخلات سوق الصرف عند الحاجة.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً