في تصريح لافت حمل نبرة حازمة غير مسبوقة، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون خلال لقائه الدوري مع ممثلي الصحافة الوطنية شهر جويلية 2026، إن الدولة تخوض “حرباً شرسة لا هوادة فيها” ضد عصابات الأحياء . وأكد في هذا السياق أن الأجهزة الأمنية “معبأة بكل إمكاناتها” لمواجهة هذه الظاهرة التي تحولت من مجرد ممارسات جنائية فردية إلى تهديد منظم للأمن العام والاستقرار الاجتماعي .
لم يكن تصريح الرئيس تبون مجرد موقف سياسي عابر، بل حمل دلالات استراتيجية عميقة. فقد قال الرئيس حرفياً: “أنا ألتزم بحماية جميع العائلات وأبنائها وبناتها، ونحن في حرب شرسة ضد هؤلاء الأشخاص (عصابات الأحياء)” . وأضاف أن الأجهزة الأمنية “مسخرة بكل إمكانياتها، وسنتغلب عليهم”، مؤكداً أنه “عندما يتعلق الأمر بأمن المواطن وراحته، لا شيء سوى القانون هو السائد” .
هذا التصعيد في الخطاب يعكس، بحسب المحلل السياسي والمتخصص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية أحمد ميزاب، إدراكاً واضحاً لتحول طبيعة التهديدات التي تواجه المجتمع الجزائري. فلم يعد الأمر يتعلق بمكافحة أعمال جنائية معزولة، بل بمواجهة تطورات إجرامية منظمة تقوض الأمن العام والاستقرار الاجتماعي ومستقبل الشباب .
يكشف تحليل الظاهرة أن عصابات الأحياء تطورت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. فوفقاً للخبير ميزاب، لم تعد هذه الجماعات تقتصر على أعمال عنف عرضية، بل أصبحت تُشكل نفسها حول أساليب الترهيب، والسيطرة على المناطق، والعمليات غير المشروعة، مما يحولها إلى عناصر مزعزعة للاستقرار قادرة على تآكل الثقة العامة وإضعاف التماسك الاجتماعي .
وهذا التحول يوضح الأبعاد التشغيلية الواسعة التي تعتمدها السلطات العمومية حالياً، والتي تجمع بين الدفعات الأمنية، والجهود الوقائية، والتعبئة المؤسسية الشاملة .
في مواجهة هذا التطور الإجرامي، عملت الدولة على تعزيز الإطار القانوني بشكل تدريجي. ويشكل الأمر التنفيذي رقم 20-03 الصادر في 30 أغسطس 2020، والمتعلق بالوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها، الركيزة الأساسية لهذه الاستراتيجية . ويقوم هذا النص القانوني على:
- التعريف القانوني لهذه الجماعات، مما يسهل ملاحقتها قضائياً.
- تعزيز آليات الوقاية لتفادي نشوء هذه الظاهرة.
- تكييف الإجراءات القضائية لمراعاة الطابع الجماعي والمنظم للجرائم المرتكبة.
كما تم تنقيح عدة أحكام في قانون العقوبات لمواكبة الأساليب الإجرامية المستجدة، وهي خطوة يراها المحلل ميزاب بمثابة استجابة حتمية للواقع المتغير . وقد شدد الرئيس تبون على أن “أي شخص يجرؤ على الإساءة لمنطقة أو أشخاص أو الوطن سيعاقب، والقضاء هو من سيفصل في هذه القضايا” .
كما أشار الرئيس إلى أن عقوبة الإعدام أُدرجت لأول مرة ضد مروجي السموم، في إشارة إلى التشدد في مكافحة الجريمة المنظمة بكل أشكالها .
و إدراكاً من السلطات بأن الردود القضائية وحدها لا يمكنها القضاء على الظاهرة بشكل دائم، تم تطوير مقاربة متكاملة تجسدت في:
1. اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها
في عام 2026، أشرف وزير الداخلية والجماعات المحلية والتهيئة العمرانية، سعيد سعيود، على تنصيب اللجنة الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها . وتتولى هذه الهيئة مهام:
- تنسيق العمل بين القطاعات المختلفة.
- متابعة العمليات الميدانية.
- اقتراح تدابير لتعزيز فعالية السياسات العمومية.
2. الاستراتيجية الوطنية 2026-2029
انبثق عن هذه اللجنة الاستراتيجية الوطنية للوقاية من عصابات الأحياء ومكافحتها 2026-2029، التي وضعت خارطة طريق استراتيجية تقوم على التعاون الوزاري المشترك، وتربط بين الأجهزة الأمنية، والسلطات القضائية، والإدارات المحلية، والقطاع التربوي .
وهذه الاستراتيجية تهدف إلى العمل على جبهتين متوازيتين: معالجة المظاهر الإجرامية، والعمل على العوامل العميقة المساعدة على نموها .
و يذهب المحلل ميزاب إلى أن تصريح الرئيس يتجاوز كونه مجرد تواصل سياسي تقليدي، بل يحمل رسالة واضحة بعزم الدولة على إعادة فرض هيبتها ضد الجماعات التي تحاول فرض قواعدها في بعض الأحياء . ويخلص إلى أن الرسالة التي يوجهها رئيس الجمهورية من خلال تعبير “الحرب الشرسة” هي أن الدولة لن تتسامح مع أي تحدٍ لسلطتها، ولا مع ظهور جيوب منفلتة من القانون حيث تتنافس القوة أو الترهيب أو الاتجار مع سيادة القانون .
وهو موقف يهدف إلى تثبيت سلطة الدولة، والحفاظ على النظام العام، وضمان سلامة المواطنين .
و يمثل الموقف الرئاسي الجديد منعطفاً في التعامل مع ظاهرة عصابات الأحياء في الجزائر. فهو يجمع بين التشريع الصارم الذي استثنى هذه الجماعات من أي عفو مستقبلي، والتعبئة المؤسسية الشاملة التي تشمل مختلف القطاعات، والاستراتيجية الوطنية الممتدة حتى 2029. وتبقى المعادلة الأهم هي قدرة هذه المنظومة المتكاملة على المزاوجة بين الردع الفوري والوقاية المستدامة، لمعالجة الجذور الاجتماعية والاقتصادية التي تغذي هذه الظاهرة، وفي مقدمتها البطالة والتهميش وضعف الرقابة الأسرية.



