تقرير فرنسي…علاقة باريس والجزائر سامة وتحتاج إلى مقاربة براغماتية

في سبتمبر 2026، أصدر معهد مونتين، وهو أحد أبرز مراكز الفكر المستقلة في فرنسا وأوروبا، مذكرة استشرافية بعنوان «فرنسا والجزائر: الخروج من العاطفة»، تتناول واحدة من أكثر العلاقات الثنائية تعقيداً وحساسية في المشهد الدبلوماسي الفرنسي.

وتنطلق المذكرة من فرضية أساسية مفادها أن العلاقة بين باريس والجزائر لم تعد علاقة دبلوماسية عادية، بل تحولت إلى علاقة سامة يشوبها الشحن العاطفي والتاريخي المفرط، وتتداخل فيها الملفات الإدارية البسيطة مع قضايا الدولة والسياسة الداخلية، حتى أصبح رفض تأشيرة أو عدم تنفيذ قرار ترحيل مسألة تتحول إلى أزمة بين دولتين، ثم إلى ورقة ضغط في الصراعات الحزبية والانتخابية على ضفتي المتوسط.

وتشير المذكرة إلى أن نحو عشرة في المائة من سكان فرنسا، أي ما يقارب سبعة ملايين شخص، لهم رابط مباشر أو غير مباشر بالجزائر، بين المعمرين السابقين والحركيين والمهاجرين والمواطنين من أصول جزائرية، وهو ما يجعل هذه العلاقة متشابكة بعمق مع النسيج الاجتماعي الفرنسي، في الوقت الذي تشير فيه استطلاعات الرأي إلى أن واحداً وسبعين في المائة من الفرنسيين يحملون صورة سلبية عن الجزائر، وأن خمسة وأربعين في المائة يرون فيها تهديداً، وهي أرقام تعكس حجم التباعد النفسي الذي بات يطغى على العلاقة.

وتقترح المذكرة مقاربة عملية تقوم على تفكيك العلاقة إلى ثلاث دوائر مصالح رئيسية، أولها دائرة الهجرة والأمن، وهي الدائرة الأكثر حضوراً في النقاش العام الفرنسي، إذ تشير المعطيات إلى أن الجزائر تعد أول بلد خارج أوروبا من حيث عدد حاملي بطاقات الإقامة السارية في فرنسا، مع حوالي ستمائة وخمسين ألف بطاقة في عام 2024، لكنها لا تشكل استثناءً مغاربياً لأن نسبتها إلى عدد السكان تظل أقل من نسب المغرب وتونس.

وتلفت المذكرة إلى أن اتفاقية عام 1968 الموقعة بين البلدين تمنح الجزائريين وضعاً خاصاً في ما يتعلق بالإقامة والتنقل ولم شمل العائلات، وهو ما تعتبره عقبة أمام قدرة فرنسا على التحكم في سياساتها الهجرية بشكل أحادي، وترى ضرورة تعديلها أو إلغائها.

كما تبرز مسألة الهجرة غير النظامية وقرارات المغادرة الإجبارية للتراب الفرنسي، المعروفة اختصاراً بـ«أو كيو تي إف»OQTF، باعتبارها نقطة توتر حادة، إذ تعتبر الجزائر من أكثر الدول التي ترفض التعاون في منح التصاريح القنصلية اللازمة لإعادة مواطنيها، وهو ما يحول ملفاً إدارياً إلى قضية أمنية وسياسية بامتياز في الداخل الفرنسي.

أما الدائرة الثانية فهي الدائرة الاقتصادية، وتؤكد المذكرة أن هذا البعد يظل الأقل حضوراً في النقاش العام رغم أهميته، إذ تهيمن المحروقات على العلاقات التجارية بين البلدين، بينما تتراجع مكانة فرنسا تدريجياً في السوق الجزائرية أمام منافسين كبار مثل الصين وتركيا وبعض الدول الأوروبية، وهو تراجع لا يعود فقط إلى عوامل اقتصادية، بل إلى الظل السياسي الثقيل الذي يخيم على العلاقة ويدفع الجزائر إلى تنويع شركائها.

وتشير المذكرة إلى أن الشركات الفرنسية تخسر مواقعها في سوق يزداد تنافسية، وأن الأزمات السياسية المتكررة تساهم في إضعاف الحضور الاقتصادي الفرنسي، في وقت تحتاج فيه الجزائر إلى تنويع اقتصادها خارج قطاع المحروقات، وتحتاج فيه فرنسا إلى شريك مستقر في جنوب المتوسط.

وتتناول الدائرة الثالثة قضايا النفوذ والذاكرة والفرنكوفونية والجيوسياسة، وهي دائرة أوسع وأكثر تعقيداً من سابقتها. فمن جهة، لا تزال اللغة الفرنسية حاضرة في الجزائر رغم تراجعها التدريجي في التعليم والمؤسسات، ومن جهة أخرى يظل ملف الذاكرة والاستعمار موعداً صعباً للغاية، إذ تشير المذكرة إلى أن الأجيال الجديدة في الجزائر تميل إلى تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه الماضي الاستعماري، خلافاً لما كان يُفترض أن يجلبه مرور الزمن من تصالح تدريجي.

وتضيف أن بعض القوى الدولية، ومنها بريطانيا في تجربتها مع الكومنولث، تواجه مطالب متزايدة بالتعويضات عن الاستعمار، وهو ما يعني أن ملف الذاكرة قد لا يخفت بل قد يتصاعد. وفي المقابل، توجد مساحات تقاطع جيوسياسي حقيقية بين فرنسا والجزائر في مجالات مكافحة الإرهاب واستقرار منطقة الساحل وأمن المتوسط، لكن هذه المساحات تظل رهينة لتقلبات العلاقة الثنائية وتوتراتها الدورية.

وبعد هذا التشخيص، تطرح المذكرة ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقة من وجهة نظر باريس.

السيناريو الأول هو سيناريو الاستمرارية، أي مواصلة التعاون الثنائي والرهان على أن يؤدي هذا التعاون إلى خلق ديناميكية إيجابية بين البلدين، لكن المذكرة ترى أن هذا الخيار غير مجدٍ لأنه يصطدم دائماً بالتوترات الدورية ولا يعالج المشاكل الهيكلية المتراكمة منذ عقود.

والسيناريو الثاني هو سيناريو القطيعة، سواء كانت قطيعة محكومة يسعى كل طرف من خلالها إلى حفظ ماء الوجه، أو قطيعة راديكالية تتحمل أزمة دبلوماسية مواجهة وتداعياتها الداخلية، وهو خيار تحذر منه المذكرة لأنه ينطوي على مخاطر عالية وأضرار متبادلة قد تكون وخيمة على المدى القريب والمتوسط.

أما السيناريو الثالث، وهو الخيار الذي يوصي به معهد مونتين، فهو سيناريو «خفض الحساسية» أو «الخروج من العاطفة»، ويقوم على إلغاء الطابع الدرامي والعاطفي للعلاقة، والتعامل مع الجزائر بمقاربة تبادلية براغماتية بحتة، بلا عداء ولكن بحزم، مع إدارة الملفات اليومية عبر قنوات تقنية وإدارية هادئة، وإخراج العلاقة من المزايدات الانتخابية الداخلية في فرنسا، والتخلي عن اتفاقية 1968 أو تعديلها بشكل أحادي لتطبيق القانون العام، واعتماد مبدأ المصالح المتبادلة في كل ملف، من الهجرة إلى التأشيرات إلى الاقتصاد.

وتخلص المذكرة إلى أن العلاقة بين فرنسا والجزائر لا يمكن أن تستمر في الدوران حول العاطفة والذاكرة والاستغلال السياسي، وأن باريس بحاجة إلى استراتيجية واقعية تحمي مصالحها دون أن تنجرف وراء التصعيد أو الرهان غير المضمون على تعاون ثنائي تقليدي ثبت هشاشته. وتقدم المذكرة نفسها كمساهمة عملية موجهة لصناع القرار، لا كتحليل أكاديمي، بهدف مساعدتهم على إيجاد طريق قابل للتنفيذ بين الالتزامات الدبلوماسية والضرورات الأمنية والمصالح الاقتصادية والقيود السياسية الداخلية، وهو الطريق الذي تلخصه العبارة التي اختارتها المذكرة عنواناً لها: الخروج من العاطفة.

تابع
فريق تحرير موقع الصحفي.ديزاد الرقمي
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً